قَدَّرَت شركة سيتريني المعنية بأبحاث الأسهم أن يكون عام 2028م عامًا “يُنهي فيه الذكاء الاصطناعي معظم وظائف الموظفين الإداريين”، فأغلب المصروفات التشغيلية عند الشركات تذهب إلى الرواتب، وبالتالي سيكون ذلك فرصة لها كي تعتمد على برامج تؤدي وظيفة ما يقوم به آلاف الموظفين.
لكن الرابح الحقيقي والأكثر ليس هذه الشركات، بل شركات الذكاء الاصطناعي نفسها.
المشكلة ليست في فَقْد الناس وظائفهم فقط، بل في “تبخيس” أصل المهارة لديهم، والتي تتشارك في تقديم جودتها الوظيفتان الإدراكية والبدنية.
هذا الأمر قد يبدو “افتراضيًّا”، أو أنه يقدم صورة سوداوية لكن ما يظهر أنه سيكون واقعًا في يوم من الأيام، وسيتسبب في بطالة خانقة، إلاَّ إذا تدخَّلت الدول، ووضعت حلولاً لذلك.
مثل هذا السيناريو حصل في تاريخ الصناعة عندما حَلَّت الآلة محل البشر، فكانت بمثابة التهديد لأرزاق الملايين.
في يوليو من عام 1837م أعلن أحد أصحاب مصانع النسيج جنوب غرب فرنسا، عزمه تركيب آلة “المول جيني” لزيادة الإنتاج.
كان المصنع يضم 3 آلاف و500 عامل، حيث كان أكثر من نصف السكان يعملون في مصانع الصوف.
فكانت ردة الفعل أنْ قام العمال بالتجمُّع وتحطيم الآلة.
قبل ذلك بـ 7 عقود، وتحديدًا في عام 1764م قام جيمس هارجريفز بإتقان اختراعه آلة الغزل جيني، وهي أول آلة تُمكِّن من تشغيل ثماني بكرات خيط في آنٍ واحد بواسطة تدوير مقبض.
لكن ذلك لم يُشكِّل استفزازًا للعمال، كون تلك الآلة كانت موجَّهة للإنتاج المنزلي الذي تقوم به العائلات، لذلك لم تُحدِث تغييرًا كبيرًا في التنظيم الاجتماعي ما قبل الصناعي، ورغم ذلك وقعت أحداث تدمير لها في لانكشاير شمال غرب إنجلترا.
المشكلة ليست في التطوير، بل في خفض الأجور، وإلغاء الكثير من الوظائف، وبالتالي إنتاج بطالة هائلة، ورواتب بلا قيمة، والأكثر هو تحويل المهارة إلى عمل مكرر، مع ذهاب استقلالية العامل، وامتلاكه مهارته، وتحكمه في وقته، لصالح هيمنة الشركات.
وهذا الأمر سَرَى على “المَكْنَنَة” وسيسري اليوم على “الذَّكْوَنَة”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك