في ظل الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن، خاصة بعد موسم استهلاكي مكثف مثل شهر رمضان الفضيل، برزت تطبيقات التقسيط والتمويل الاستهلاكي كواحدة من أبرز الظواهر المالية الحديثة في السوق المصرية، هذه التطبيقات تقدم نفسها كحل عملي لتخفيف عبء الدفع الفوري، وتمنح المستهلك قدرة على شراء السلع والخدمات دون الحاجة إلى سيولة نقدية كبيرة في التوقيت الحالي، وهو ما يجعلها في نظر كثيرين طوق نجاة مؤقت يساعد على التكيف مع ارتفاع الأسعار وتآكل الدخول.
إلا أن هذا الدور الإيجابي لا يمكن فصله عن جانب آخر أكثر تعقيدًا، حيث تتحول هذه الأداة بسهولة إلى عبء مالي متراكم إذا لم يتم استخدامها بوعي، خاصة مع تعدد التطبيقات وسهولة الحصول على التمويل، ما يدفع بعض الأفراد إلى الدخول في التزامات شهرية تفوق قدرتهم الحقيقية على السداد.
بدوره، أكد الدكتور، علي الإدريسي، أستاذ الاقتصاد الدولي، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، أنه على مستوى الاقتصاد الكلي، فإن النمو المتسارع لشركات التمويل الاستهلاكي يساهم في تحفيز الطلب داخل السوق، لكنه في الوقت ذاته قد يضيف ضغوطًا تضخمية غير مباشرة؛ فالتقسيط يخلق طلبًا مؤجل الدفع لكنه فوري التأثير، بمعنى أن المستهلك يشتري الآن بناءً على دخل مستقبلي، وهو ما يرفع حجم الطلب الكلي في وقت قد لا يقابله زيادة موازية في المعروض من السلع، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد.
هذا الخلل بين العرض والطلب يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وبالتالي يتحول جزء من التيسير الذي توفره هذه التطبيقات إلى عامل يغذي التضخم بدلًا من أن يخفف من حدته، بحسب أستاذ الاقتصاد.
أما من زاوية الاستقرار المالي، أوضح «الإدريسي»، في تصريحات خاصة ل «الوطن»، أن التوسع غير المنضبط في التقسيط يحمل مخاطر حقيقية، خصوصًا إذا ارتفعت معدلات التعثر في السداد، ملفتًا إلى أنه في هذه الحالة، قد تواجه شركات التمويل الاستهلاكي ضغوطًا مالية نتيجة زيادة الديون غير المنتظمة، وهو ما قد يدفعها إلى تشديد شروط الإقراض أو تقليص حجم التمويل الممنوح.
وإذا كانت هذه الشركات مرتبطة بالقطاع المصرفي بشكل مباشر أو غير مباشر، فإن تداعيات التعثر قد تمتد لتؤثر على النظام المالي ككل، بما يشبه تكوّن فقاعة ديون استهلاكية صغيرة قابلة للانفجار عند حدوث أي صدمة اقتصادية، مثل ارتفاع أسعار الفائدة أو تراجع مستويات الدخل.
وفيما يتعلق بالقوة الشرائية الحقيقية، أضاف أن التقسيط يمنح إحساسًا مؤقتًا بزيادة القدرة على الشراء، لكنه في الواقع يعيد توزيع الدخل عبر الزمن بدلًا من زيادته؛ فالمستهلك الذي يلتزم بأقساط شهرية لفترات طويلة يجد نفسه أمام دخل متاح أقل في المستقبل، ما يحد من قدرته على الادخار أو مواجهة الأزمات الطارئة، ويجعله أكثر عرضة للهشاشة المالية.
وبالتالي، فإن التحسن الظاهري في مستوى الاستهلاك قد يقابله تراجع تدريجي في الاستقرار المالي للأسر على المدى المتوسط.
وأشار أستاذ الاقتصاد إلى أن تطبيقات التقسيط تظل أداة مالية يمكن أن تكون مفيدة إذا استُخدمت في إطار من التخطيط والانضباط بجانب الوعي الاستهلاكى، لكنها تتحول إلى مصدر ضغط حقيقي إذا أصبحت وسيلة للاستهلاك غير المدروس، مؤكدا أن التعامل الرشيد معها يتطلب وعيًا بحجم الالتزامات الشهرية، وفهمًا حقيقيًا للتكلفة الإجمالية للشراء، والتمييز بين الضروريات والكماليات، لأن الإفراط في الاعتماد على التقسيط لا يؤدي فقط إلى استنزاف دخل المستقبل، بل قد يضع الأفراد والأسر في دائرة من الديون يصعب الخروج منها في ظل بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع الأسعار وعدم اليقين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك