تُهدد الحرب الإيرانية بتعطيل مفاصل الاقتصاد العالمي، متجاوزةً أسواق الطاقة التقليدية لتضرب عمق سلاسل إمداد مواد استراتيجية لا غنى عنها، وعلى رأسها غاز الهيليوم ومعدن الألومنيوم؛ وهما عصب الصناعات الدقيقة من رقائق أشباه الموصلات إلى المعدات الطبية واللوجستية وصولاً إلى صواريخ الفضاء ومكونات الطائرات المسيّرة العسكرية.
وتُعد قطر من أبرز منتجي الهيليوم عالمياً، إذ تساهم بما بين 30% و40% من الإنتاج العالمي، لتأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تنخفض كميات الهيليوم القطرية بمقدار الثلث هذا العام مقارنة بعام 2025، أي ما يعادل 11% من الإمدادات العالمية للعام الماضي.
وقفزت أسعار الهيليوم لمستويات قياسية بنسبة 40%، وفي بعض الأسواق ارتفعت بين 70% و100%، وسط تهافت محموم من المشترين لتخزين المادة الحيويةالهيليوم.
أكثر من مجرد" بالونات"رغم ارتباط الهيليوم في الأذهان ببالونات الحفلات، إلا أن أهميته الاقتصادية تكمن في خصائصه الفيزيائية الفريدة كونه موصلاً حرارياً ممتازاً وعاملاً للتبريد الفائق:- صناعة أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي: يُعد الهيليوم عنصراً حيوياً لتبريد (رقائق السيليكون) أثناء عملية الحفر الضوئي (Etching).
وبدون التبريد المتسق الذي يوفره الهيليوم، لا يمكن تصنيع المعالجات التي تشغل الهواتف الذكية، والحواسيب المحمولة، وخوادم الذكاء الاصطناعي.
- القطاع الطبي: تعتمد أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) كلياً على الهيليوم السائل لتبريد المغناطيسات فائقة التوصيل.
- صناعة الفضاء: تستخدم شركات مثل" سبيس إكس" و" Blue Origin" الغاز لتطهير خزانات وقود الصواريخ، وهو طلب ينمو بشكل متسارع.
أكد خبراء سلاسل الإمداد أن المصنعين لا يحتفظون عادة بمخزون يزيد عن شهرين.
ومع نقص التوريد، بدأت شركات كبرى مثل" Air Liquide" تحذر من عدم القدرة على تلبية الطلبات، حيث أرسلت رسائل لعملائها تعلن فيها تفعيل بند" القوة القاهرة" في عقود التوريد؛ وهو إجراء قانوني، يعني أن الشركة لن تستطيع الوفاء بالتزاماتها وتوريد الكميات المتفق عليها بسبب ظروف الحرب الخارجة عن إرادتها.
هذا التعطل المفاجئ دفع كبار المصنعين لمراجعة خططهم، حيث حذر الخبراء من أن النقص سيؤدي إلى" خنق" خطوط إنتاج الرقائق الإلكترونية، مما سيعطل بالتبعية بناء مراكز البيانات العملاقة اللازمة للذكاء الاصطناعي، ويجبر الشركات العالمية على تجميد أو تقليص ميزانياتها المخصصة للاستثمار في التقنيات المستقبلية لعدم توفر المكونات الأساسية.
خريطة الإنتاج والمستفيدون من الأزمةيقتصر إنتاج الهيليوم على دول معدودة، مما يجعل السوق عرضة للابتزاز الجيوسياسي:- الولايات المتحدة: المنتج الأول عالمياً (81 مليون متر مكعب)، ومن المتوقع أن يستفيد منتجوها في أمريكا الشمالية من تعطل إمدادات قطر وفقاً لتقرير" سي إن بي سي".
- روسيا: ثالث أكبر مورد، وقد بدأت بالفعل في زيادة إنتاجها لتمويل مجهودها الحربي.
ورغم العقوبات الغربية، تتجه الصين نحو موسكو لتأمين احتياجاتها، حيث ارتفعت صادرات الهيليوم الروسي للصين بنسبة 60% في عام 2025.
الجزائر: تسهم بنحو 10 إلى 13% وتعد مصدراً بديلاً محتملاً للسوق الأوروبية.
لم تتوقف تداعيات عند الغازات؛ فقد سجّل الألومنيوم أعلى سعر له منذ أربع سنوات، وتنتج دول الخليج نحو 9% من الإمداد العالمي.
وأدى ارتفاع تكاليف الطاقة واضطرابات الشحن في مضيق هرمز إلى تضييق الخناق على المعروض، مما سيرفع تكاليف التعبئة والتغليف، وصناعة السيارات، والإلكترونيات.
ويعد الألومنيوم ثاني أكثر المعادن الصناعية انتشاراً بعد الصلب، إلا أن هذه الصناعة واجهت في السنوات الأخيرة العديد من الاضطرابات في سلسلة التوريد العالمية المعقدة التي تشمل استخراج خامات البوكسيت، وتكريره إلى ألومينا، ثم صهره إلى معدن نهائي.
وتكمن المعضلة الكبرى في أن حاويات الهيليوم المبردة لا يمكنها الاحتفاظ بالغاز سائلاً لأكثر من 45 يوماً؛ ومع استمرار الحصار في هرمز، تقبع مئات الحاويات (التي تكلف الواحدة منها مليون دولار) في المياه مهددة بضياع شحناتها تماماً نتيجة التبخر عبر صمامات تخفيف الضغط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك