التدخلات العسكرية غير المحسوبة، ودعم الميليشيات، وتغذية الصراعات الطائفية، كلها سياسات أدت إلى نتائج عكسية، تمثلت في تفكك الدول، وانتشار الإرهاب، وتفاقم الأزمات الإنسانية.
وأثبت الرهان على القوة الصلبة وحدها محدوديته، إذ لم تنجح الجيوش، رغم تفوقها التكنولوجي، في حسم صراعات معقدة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية عميقة.
كل هذه المقاربات ساهمت في خلق بيئات خصبة لعدم الاستقرار، وارتدت سلباً على الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء، كما نرى نتائجها الآن، في ظل الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران.
من هنا، تبدو المقارنة بين نهج مصر ونهج القوى المتصارعة كاشفة لفارق جوهري في الرؤية والاستراتيجية.
وفيما تنطلق بعض الأطراف من منطق الصفرية، حيث يُنظر إلى المكاسب باعتبارها خسائر للآخرين، تعتمد مصر على منطق تراكمي يسعى إلى تحقيق مكاسب مشتركة، أو على الأقل تقليل الخسائر الجماعية.
وبينما تميل قوى أخرى إلى التصعيد كخيار أول، تفضل «القاهرة» إعطاء الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية.
ولا يعني ذلك أن السياسة المصرية خالية من التحديات أو الأخطاء، فكل دولة تعمل في بيئة معقدة عرضة لضضغوط داخلية وخارجية، إلا أن ما يميز هذا النهج هو قدرته على التعلم والتكيف، والابتعاد عن الانزلاق إلى مغامرات غير محسوبة.
كما أن هذا النهج يستند إلى مؤسسات دولة تسعى إلى الحفاظ على تماسكها واستقرارها، وهو عامل حاسم في منطقة تعاني هشاشة العديد من الكيانات السياسية.
وفي وقت تآكل قواعد النظام الدولي، وتصاعد النزعات الشعبوية، وتراجع دور المؤسسات متعددة الأطراف، تكتسب «سياسة العقل» أهمية مضاعفة.
هذه السياسة ليست مجرد خيار أخلاقي، بل ضرورة استراتيجية لتجنب الانزلاق إلى فوضى شاملة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التجربة المصرية باعتبارها محاولة لتقديم نموذج بديل، يقوم على التوازن، والواقعية، واحترام مفهوم الدولة الوطنية.
هذه السياسة تمنح «القاهرة» هامشاً أوسع للمناورة، وتحميها من «الانكشاف الاستراتيجي» الذي تعاني منه الدول التي راهنت على قطب واحد فقط.
في مقابل ذلك، فإن القوى المتصارعة في المنطقة، سواء كانت دولاً أو كيانات غير حكومية، وقعت في فخ «الجنون الاستراتيجي» الذي يتجلى في جملة من المظاهر؛ أولها، المبالغة في تقييم القدرات الذاتية والاستهانة بتكلفة الصراعات الطويلة، وثانيها، تحويل الصراعات الإقليمية إلى ساحات مفتوحة للصراع بالوكالة، مما أدى إلى تدمير الدول المستضعفة كـ(اليمن وسوريا ولبنان) وتحويلها إلى دول فاشلة أو شبه فاشلة، وثالثها، الانخراط في سباق تسلح غير محسوب العواقب، ينتهك قواعد القانون الدولي ويزيد من حالة عدم الاستقرار.
هذه النماذج أثبتت فشلها الذريع؛ لأنها سارت وفقاً لفرضية خاطئة وهي إمكانية تحقيق الأمن القومي للدولة من خلال زعزعة أمن الآخرين.
مصر في زمن «الجنون الاستراتيجي» تقدم نموذجاً للدولة التي تمتلك «عقلاً استراتيجياً» قادراً على قراءة المستقبل، وليس فقط التفاعل مع الحاضر.
هذا النموذج القائم على أولوية التنمية الداخلية، وضبط ردود الفعل، والتوازن في التحالفات، وتجديد خطابها للعالم، يشكل نقيضاً صارخاً لمنطق المغامرة والاستقطاب.
الرسالة المصرية واضحة، فطريق الخروج من عنق الزجاجة الإقليمي لا يمر عبر مزيد من الصراعات، وإنما بإعادة بناء الدولة الوطنية القادرة على الصمود.
الفارق بين «سياسة العقل» و«الجنون الاستراتيجي» ليس مجرد اختلاف في الأساليب، لكنه اختلاف في الرؤية للعالم ولمستقبل المنطقة.
فإما أن يسود منطق المغامرة والصدام، بما يحمله من مخاطر الانهيار، أو أن ينتصر منطق العقل والحكمة، بما يفتحه من آفاق للاستقرار والتنمية.
وبين هذين الخيارين، تحاول مصر أن ترسخ موقعها كفاعل إقليمي يسعى إلى التهدئة لا التصعيد، وإلى البناء لا الهدم، في زمن باتت فيه هذه القيم نادرة لكنها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وفي منطقة طالما عانت من فرط التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية، تظل سياسة العقل المصرية إحدى أهم الضمانات لاستقرار إقليمي طال انتظاره.
سياسة العقل فى زمن الجنون الاستراتيجى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك