وقال إمبابي، في تصريحات لـ«مبتدا»، إن المبادرة التي طرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إنشاء مركز عالمي للحبوب والطاقة في مصر تحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز حدود التعاون الثنائي، لتلامس جوهر التنافس الدولي على الموارد والنفوذ، خاصة في ضوء التداعيات المستمرة للحرب الروسية الأوكرانية، التي أعادت رسم خريطة تدفقات الحبوب والطاقة على مستوى العالم.
وأوضح أن هذه التطورات دفعت روسيا إلى البحث عن بدائل عملية لتسويق فائض إنتاجها بعيدًا عن القيود الغربية، لافتًا إلى أن مصر تمثل خيارًا منطقيًا ومدروسًا في هذا الإطار، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي الفريد، ولكن أيضًا لقدرتها على التحول إلى منصة لوجستية متكاملة تربط بين الأسواق الأفريقية والآسيوية والأوروبية.
وأضاف أن مصر تمتلك مقومات استراتيجية كبيرة، في مقدمتها قناة السويس، التي تمثل شريانًا حيويًا للتجارة الدولية، بما يؤهلها للعب دور محوري في حركة تداول الحبوب والطاقة عالميًا، مؤكدًا أن المشروع يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد فرصة استثمارية أو تعاونًا ثنائيًا عابرًا، بل مشروعًا استراتيجيًا قادرًا على إعادة صياغة دور مصر في منظومة الأمن الغذائي العالمي.
وأشار إمبابي إلى أن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة تكمن في كيفية توظيفها داخليًا، بحيث تتحول مصر من مجرد نقطة عبور أو إعادة توزيع إلى مركز إنتاج وتأثير، يمتلك أدوات التسعير والتخزين والتصنيع، وليس فقط خدمات النقل واللوجستيات.
وأكد أن إنشاء مركز عالمي للحبوب والطاقة يعكس تحولًا في الفكر الاستراتيجي الروسي، من مجرد دولة مصدّرة للمواد الخام إلى فاعل يسعى للسيطرة على سلاسل الإمداد والتوزيع، وهو ما يمنحها نفوذًا مضاعفًا في الأسواق الناشئة، خاصة في القارة الأفريقية التي تعاني من فجوات غذائية متزايدة.
وتابع: " في المقابل، يمثل المشروع فرصة حقيقية لمصر لإعادة تعريف دورها في الاقتصاد العالمي، من كونها أكبر مستورد للقمح إلى مركز إقليمي لإعادة التوزيع، بما يعزز من قدرتها على تحقيق أمنها الغذائي وتقليل تعرضها للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية".
وشدد أستاذ الزراعة بجامعة بنها على أن نجاح هذا المشروع لا يجب أن يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو كميات الحبوب المتداولة، بل بمدى قدرته على دعم الاقتصاد الحقيقي، وعلى رأسه القطاع الزراعي، موضحًا أن ربط هذا المركز بخطط التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي من شأنه أن يحقق قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد الوطني.
وأضاف أن توجيه جزء من الاستثمارات نحو تحسين الإنتاجية الزراعية، وتطوير نظم الري، والتوسع في استخدام التكنولوجيا الزراعية الحديثة، سيحول المشروع من مجرد مركز لوجستي إلى ركيزة تنموية متكاملة تدعم التنمية المستدامة.
كما أشار إلى أن إنشاء بورصة سلعية قوية للحبوب داخل مصر سيمنحها دورًا محوريًا في تحديد الأسعار على المستوى الإقليمي، بدلًا من أن تظل رهينة للأسواق العالمية وتقلباتها، وهو ما يسهم في تعزيز استقرار السوق المحلية وحماية الأمن الغذائي.
وفيما يتعلق بدمج قطاع الطاقة ضمن المشروع، أكد إمبابي أن هذه الخطوة تمثل نقطة قوة إضافية، لكنها تتطلب إدارة دقيقة تضمن تعظيم الاستفادة دون الوقوع في مخاطر الاعتماد على طرف واحد، مشددًا على أهمية الحفاظ على التوازن في العلاقات الدولية وتنويع الشراكات الاقتصادية.
وقال إن استقلالية القرار الوطني تظل عنصرًا حاسمًا، خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بالتنافس الحاد والتشابك المعقد للمصالح، ما يستدعي رؤية استراتيجية واضحة في إدارة هذا الملف.
ولفت إلى أن المشروع، رغم ما يحمله من فرص واعدة، لا يخلو من تحديات، في مقدمتها التوازنات السياسية الدولية، حيث قد يُنظر إلى هذا التعاون باعتباره جزءًا من إعادة تموضع جيوسياسي، الأمر الذي قد يفرض ضغوطًا على مصر في إدارة علاقاتها مع مختلف الأطراف الدولية.
وأضاف أن حجم الاستثمارات المطلوبة، والبنية التحتية اللازمة، إلى جانب الإطار التشريعي والتنظيمي، كلها عوامل تحتاج إلى رؤية واضحة وتنسيق مؤسسي عالي المستوى لضمان نجاح المشروع واستدامته على المدى الطويل.
واختتم الدكتور ثروت إمبابي تصريحاته بالتأكيد على أن هذه المبادرة تمثل لحظة فارقة، ليس فقط في العلاقات المصرية الروسية، بل في موقع مصر على خريطة الاقتصاد العالمي، مشددًا على أنه إذا ما أُحسن استغلالها برؤية استراتيجية شاملة، فإنها قد تنقل مصر من موقع المتلقي لتقلبات الأسواق إلى موقع المؤثر فيها، لتصبح لاعبًا رئيسيًا في معادلة الأمن الغذائي والطاقة، إقليميًا ودوليًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك