كانت الفكرة أن يحدث ذلك بعيدًا عن صخب العاصمة وتشتيتها.
لكن اليوم، وبينما تنحسر أضواء" السجادة الحمراء" في عواصم كبرى، وتواجه المهرجانات السينمائية" مقصلة" الميزانيات، يتفجر النقاش فاتحًا الباب أمام أسئلة شائكة حول فلسفة الدعم الحكومي للمهرجانات السينمائية، في ظل سياسات التقشف بسبب الأوضاع الاقتصادية التي فرضتها الحرب.
والحقيقة أن مهرجان الإسماعيلية لم يكن يومًا مجرد ترف فني؛ فقد سبقت فكرته محاولات رائدة للناقد أحمد الحضري عام 1971، قبل أن تحتضنه الإسماعيلية فعليًا عام 1988 وتمنحه صفة" الدولية" عام 1991.
عبر تاريخه الممتد لـ 26 دورة، شهد المهرجان فترات ازدهار وتطور، وصولًا إلى الدورة الأخيرة التي شهدت عودة الروح" للمهرجان" عبر" ملتقى الإسماعيلية السينمائي".
والحقيقة أيضًا أن المشهد الثقافي يحتاج إلى إعادة ترتيب جذرية للأولويات، فقد أثار قرار وزارة السياحة الأخير بإلغاء الدعم لمهرجانات سينمائية تحت بند" إجراءات التقشف" عاصفة من الجدل، خاصة بعد وقف دعم مهرجان أسوان الدولي لسينما المرأة قبل انطلاق الدورة العاشرة بحوالي 20 يوم فقط.
هنا، يجب أن نتوقف بكل صراحة لنسأل: لماذا لم يتم إعلان قرارات وقف الدعم بوقت كافٍ؟ إن مباغتة المنظمين بقرارات مفاجئة تضعهم أمام" الأمر الواقع" وتعرقل قدرتهم على تدبير بدائل، وهو أمر كان يجب التفكير فيه وإعلانه للجميع بشفافية.
لكن، وبذات القدر من الصراحة، يبرز تساؤل آخر عن جدوى ذلك الدعم للمهرجانات الخاصة، إذ أن عدم احتواء النشرات الإعلامية للمهرجانات للترويج للمواقع السياحية المصرية، يطرح التساؤل حول جدوى ذلك الدعم، ومن وزارة السياحة على وجه الخصوص، وهو ما يطرح التساؤل عن جدوى دعم مهرجان لا يستطيع أن يحل محل الصحافة السياحية أو يتفوق على المؤثرين الذين تعتمد عليهم الوزارة الآن.
الأمر الآخر يتعلق بعموم مراقبة الدعم لتلك المهرجانات، سواء كانت من كيانات الدولة كوزارة الثقافة مثلًا، أو حتى من رجال الأعمال أو من الهيئات الأجنبية، إذ مازال من الضروري أن تتم مراقبة أوجه إنفاق هذا الدعم في المهرجانات سواء الحكومية أو الخاصة، لضمان الشفافية، وأيضًا التأكد من تحقيق الأهداف التي من أجلها وافقت الدولة على إطلاقها ودعمها من الأساس، وأيضًا اتخاذ التدابير التي تضمن اتساقها مع الهوية الوطنية والأهداف التنموية للدولة.
إن استدامة نجاح المهرجانات، لا يتوقف على الأفراد، بل على إيمان الدولة بأن مهرجان كالإسماعيلية هو" مشروع قومي" يحمي الهوية، تمامًا كما حدث في ختام للدورة السابقة لمهرجان الإسماعيلية، حين حدث هذا الالتحام للمشاركين مع أهل المدينة حول موسيقى السمسمية.
مثل هذه اللحظات هي التي جعلت من مهرجان الإسماعيلية حالة إنسانية فريدة يجب حمايتها وتطوير ميزانياتها.
وأخيرًا فإنني أعتقد أن حماية وعينا ومستقبلنا الفني تتطلب شجاعة في الطرح، إذ أؤمن شخصيًا بأننا في حاجة إلى" غربلة" حقيقية لخارطة المهرجانات المصرية، للتفرقة بين" مهرجانات القيمة" التي تترك أثرًا في محيطها الاجتماعي وتدعم المبدعين الشباب من أسوان إلى الإسكندرية وتستحق الدعم فعلًا وربما بلا شروط أيضًا، وبين" مهرجانات السبوبة" التي تستهلك الموارد دون مردود ثقافي أو سياحي ملموس، وهنا يظل توفير الدعم غير المحدود للإبداع الحقيقي هو الضمانة الوحيدة لبقاء مصر منارة ثقافية في المنطقة بشرط الجدية والشفافية والإصرار على العمل من أجل الثقافة والإبداع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك