(باحث في الاقتصاد السياسي ـ رئيس فرع الإتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة بمحافظة الغربية)في ظل ما تشهده المنطقة العربية من اضطرابات جيوسياسية متسارعة، تبرز التداعيات الاقتصادية كأحد أبرز التحديات التي تفرض نفسها بقوة على الحكومات والمواطنين على حد سواء.
فبين تصاعد النزاعات المسلحة، وتقلص سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة التأمين على الشحن البحري، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، تجد اقتصادات المنطقة نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود والتكيف.
يقول الخبراء الاقتصاديون إن المنطقة تمر بمرحلة من أعلى معدلات عدم اليقين منذ عقود، إذ انعكست الأزمات المتلاحقة على مؤشرات الاقتصاد الكلي؛ فارتفعت معدلات التضخم في كثير من الدول العربية، وتراجعت احتياطيات النقد الأجنبي لدى بعضها، بينما زادت أعباء الديون وتراجعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسب تجاوزت في بعض الحالات 20% مقارنة بالعام الماضي.
ويضاف إلى ذلك ما تعانيه قطاعات حيوية كالسياحة والنقل والخدمات اللوجستية، خاصة في الدول المجاورة لمناطق التوتر، حيث انخفضت إيرادات السياحة في أكثر من دولة عربية بنسبة تتراوح بين 15 و30% خلال الربع الأول من العام الجاري وحده.
كيف يمكن تحجيم التداعيات؟في مواجهة هذه التداعيات، تتباين خيارات صناع القرار بين سياسات احتواء فورية وأخرى هيكلية طويلة الأمد.
ويجمع خبراء الاقتصاد على أن المرحلة الراهنة تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، أبرزها:تنويع مصادر الدخل القومي: فالاعتماد المفرط على الريع النفطي أو على قطاع واحد يجعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام الصدمات الخارجية.
تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي: عبر توسيع مظلة الدعم المباشر للفئات الأكثر تضررًا، مع ضبط آليات الدعم لتجنب الهدر وضمان وصوله إلى مستحقيه.
دعم سلاسل الإمداد المحلية: عبر تشجيع الصناعة الوطنية والزراعة، وتقليل الاعتماد على الواردات من المناطق المتوترة، وهو ما يسهم أيضًا في خفض عجز الميزان التجاري.
4.
إصلاح المناخ الاستثماري: بتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وتقديم حوافز للاستثمارات القادرة على خلق فرص عمل وتعزيز الصادرات.
دور المواطن: من متأثر إلى فاعلغير أن الحديث عن مواجهة التداعيات الاقتصادية لا يمكن أن يكتمل دون التوقف عند دور المواطن، الذي لم يعد في هذه المعادلة مجرد متلقٍ للسياسات أو متأثر بها، بل شريكًا أساسيًا في تحقيق الصمود الاقتصادي.
يتمثل الدور الأول للمواطن في ترشيد الاستهلاك، لا بمعنى التقشف القسري، بل بتبني ثقافة استهلاكية واعية تراعي الأولويات، وتحد من الهدر، وتشجع على الاستهلاك المحلي لدعم المنتج الوطني.
فكل زيادة في الطلب على المنتج المحلي تعني مزيدًا من الاستدامة للصناعات الوطنية، وتراجعًا للضغط على العملة الصعبة المخصصة للاستيراد.
أما الدور الثاني فيتجلى في التحول نحو ثقافة الادخار والاستثمار، بدلًا من ثقافة الاستهلاك الآني، لا سيما في ظل ارتفاع معدلات التضخم.
فالمواطن الذي يحول جزءًا من مدخراته إلى أدوات استثمارية صغيرة (كالاكتتاب في مشروعات وطنية، أو إنشاء مشاريع صغيرة، أو حتى الاستثمار في الأسهم المحلية) يسهم في تعزيز السيولة المحلية وتحريك عجلة الاقتصاد.
والدور الثالث يتمثل في الالتزام بالعمل والإنتاج ورفع مستوى الإنتاجية الفردية.
ففي الأزمات الاقتصادية، تصبح الكفاءة الإنتاجية عاملًا حاسمًا في قدرة المؤسسات على المنافسة والاستمرار.
المواطن المنتج، الذي يطور مهاراته، ويحافظ على وظيفته، أو يبادر إلى إنشاء مشروعه الخاص، يشكل حائط صد أمام تفاقم البطالة وتداعياتها الاجتماعية.
أما الرابع فهو الوعي المعلوماتي وعدم الانسياق وراء الشائعات الاقتصادية، التي كثيرًا ما تؤدي إلى سلوكيات جماعية مضرة مثل الاقتناع المذعور أو التهافت على شراء سلع معينة، ما يفاقم أزمات السوق المؤقتة.
المواطن الواعي إعلاميًا هو خط الدفاع الأول ضد حالة الذعر الاقتصادي.
نحو نموذج اقتصادي أكثر مرونةفي المحصلة، لا يمكن لأي دولة بمفردها أن تعزل اقتصادها تمامًا عن تداعيات ما يجري في محيطها الإقليمي، لكن النجاح في تحجيم هذه التداعيات يقاس بدرجة المرونة التي يبديها النظام الاقتصادي، ومدى قدرته على التعافي السريع.
وهذه المرونة لا تتحقق بقرارات حكومية فقط، بل بشراكة حقيقية مع مجتمع قادر على فهم طبيعة المرحلة، والانخراط بفاعلية في إدارة أزماتها، بعيدًا عن ثنائية “الدولة مقابل المواطن”، وبانفتاح على نموذج أكثر تكاملًا يقوم على المسؤولية المشتركة.
في النهاية، تظل التجارب الدولية والعربية مثالًا حيًا على أن المجتمعات التي تخرج من أزماتها الاقتصادية أكثر قوة هي تلك التي استطاعت أن تحول المواطن فيها من متفرج إلى لاعب رئيسي في فريق المواجهة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك