في مايو من العام 2009، وأثناء تواجدي في أعمال الدورة الثامنة لمنتدى الإعلام العربي الذي عقد تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، سنحت الفرصة مع مجموعة من الزملاء لحديث جانبي مع الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية د.
عمرو موسى الذي كان قد تحدث في كلمته الافتتاحية عن ثقته في أن دبي تفردت بتخطيط استراتيجي متقدم في تجاوز الأزمات.
ذلك المنتدى توسع في مناقشة ثقل المتغيرات وأعباء الأزمات، وبعد مرور 17 عامًا ونحن في ظروف حرب استثنائية تعصف بالمنطقة، وفي زحام التحليلات وضجيج المنصات، يطفو بين الحين والآخر خطابٌ غريب النبرة في بعض الفضائيات وقنوات اليوتيوب، يختار السخرية من دبي وكأنها خطيئة نجاح يجب الاعتذار عنها! فبعض الأصوات الإعلامية تتعامل مع مدينةٍ صنعت اسمها بالعمل والجرأة كما لو كانت “ترفًا زائدًا” في زمن الأزمات، متناسية أن ظروف الحرب تفرض آثارها على الجميع فرضًا، ولا تعفي أحدًا من مسؤولية البناء.
لنتوقف لحظة أمام دبي كمدينة عربية نجحت في بناء نموذج تنموي قائم على التنويع الاقتصادي، البنية التحتية المتقدمة، والابتكار، ما جعلها مركزًا عالميًّا للأعمال والسياحة، وقادرة على التكيف مع الأزمات وتحويلها إلى فرص، وأبرز مؤشراتها تعكس نموذجًا اقتصاديًّا مرنًا ومتقدمًا قائمًا على التنويع والابتكار، وهي ديناميكية “باليستية” للعمار لا للدمار.
إن نمو الناتج المحلي مدفوعًا بالقطاعات غير النفطية تجاوزت مساهمته 90 % استنادًا على بيئة أعمال جاذبة للاستثمارات العالمية، مرورًا بقطاع النقل والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي والتخطيط الحضري، واستثمارات ضخمة في الإسكان والطاقة، واللافت أن “الساخرين” يكشفون ضيق رؤيتهم، لماذا؟ لأنه حين تتحول الإنجازات إلى مادة للتندر، ويصبح النجاح عبئًا بدل أن يكون مصدر إلهام، تسقط الفكرة.
دبي لم تُشيَّد على نكات عابرة، بل على سياسات واضحة، واستثمارات مدروسة، وإرادة ترى في الإنسان جوهر كل مشروع، ومن الموانئ إلى الطيران، ومن الاقتصاد الرقمي إلى ريادة الأعمال، صاغت نموذجًا عربيًّا متقدمًا يربط النمو بالتنمية، ويحوّل الأرقام إلى فرص، والفرص إلى قصص حياة.
(اقرأ المقال كاملا بالموقع الإلكتروني)وفي زمن الحرب، حيث تتقلب الأسواق وتتعثر سلاسل الإمداد، تبرز قيمة المدن القادرة على التكيّف، فدبي ليست جزيرة معزولة عن العواصف، لكنها تتعامل معها كبحّارٍ خبير: تعدّل مسارها دون أن تفقد وجهتها ضمن مبادراتها في دعم الابتكار، وتيسير الأعمال، وجذب الكفاءات، وكل تلك أدوات لتعزيز صمود الاقتصاد العربي، وتمكين الإنسان من الاستمرار رغم الضغوط.
السخرية، في نهاية المطاف، لغة العاجز عن المنافسة، أما البناء فله لغة أخرى: أرقام، مؤشرات، ونتائج على الأرض، والحقيقة أن دبي بما راكمته من تجربة وقدرة على إعادة النهوض بعد كل منعطف، تبدو كمعجزة حديثة لا تُختزل في أبراجها، بل في عقلها الذي خطّط، وقلبها الذي آمن بأن التقدم خيارٌ يومي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك