ليس سهلا خفض التصعيد ثم التقدم نحو التهدئة.
تطالب إسلام آباد بضمانات موثقة من كابل تضمن عدم استخدام الأراضي الأفغانية من قبل جماعة «تحريك طالبان باكستان» لشن هجمات عبر الحدود.
أقصت الحرب في الشرق الأوسط المواجهة الباكستانية – الطالبانية عن مركز الضوء والمتابعة.
مع ذلك فما صنفته حكومة اسلام آباد «حرباً مفتوحة» مع النظام الإسلامي المتشدّد الحاكم في أفغانستان منذ الانسحاب الأمريكي عام 2021 لا تزال مستمرة، وقد سبق التصعيد فيها بدء الهجمات الأمريكية – الاسرائيلية على ايران بأيام قليلة.
في 22 شباط/فبراير وبعد أشهر من الخشونة بين الجانبين، أقله منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025، شنت القوات الجوية الباكستانية غارات مكثفة استهدفت ما اعتبرته معسكرات ومخابئ للفرع الباكستاني من طالبان في ولايات ننغرهار وباكتيكا وخوست ردا على هجمات ارهابية من جماعة تحريك طالبان هذه داخل أراضيها.
أطلقت باكستان ما أسمته عملية «غضب للحق»، ووسعت ضرباتها لتشمل أهدافاً في كابول وقندهار، بما في ذلك قاعدة بجرام الجوية.
فردت قوات طالبان – أفغانستان بهجوم واسع النطاق في 26 شباط/فبراير استهدف مواقع عسكرية باكستانية على طول خط ديورند، معلنة السيطرة على بعض النقاط الحدودية.
كما اتهمت حكومة طالبان باكستان بقصف مركز لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في كابول في اذار/مارس 2026، ما أسفر عن مقتل أكثر من 400 شخص، وهي تهمة نفتها باكستان مؤكدة أنها استهدفت مخزناً للذخيرة.
ما كادت هدنة وجيزة بمناسبة عيد الفطر تعطي انطباعا بخفض التصعيد حتى تبادل الطرفان الاتهامات بخرقها وعادت الحرب بهمة قتالية منذ 26 اذار/مارس الماضي وانتقل الصراع إلى مرحلة استخدام المدفعية الثقيلة وقذائف الهاون بشكل مكثف على طول خط ديورند، ووجهت طالبان مسيرتها إلى العمق الباكستاني.
أساسا لا تعترف أفغانستان بهذه الحدود التي توزع شعب الباشتون بين كيانين.
أما باكستان فتسعى لإنشاء شريط حدودي عازل داخل الأراضي الأفغانية لمنع تسلل المسلحين وهو ما ترفضه كابول تماما، ولا يبدو أن طالبان – أفغانستان مستعدة لطرد طالبان – باكستان من عندها، لا سيما وأنها تخشى اتساع نطاق المزايدة الجهادية عليها، هي التي تواجه عدوا لدودا يتمثل بداعش ـ خراسان.
في وقت تسعى فيه اسلام آباد بالوساطة بين أمريكا وإيران، برز دور الصين التي تمتلك حدودا برية مع البلدين المتواجهين، أي ممر واخان مع أفغانستان – وهو من أقصر الحدود الدولية في العالم، والحدود مع باكستان التي تخترق جبال قراقرم.
تستضيف الصين في مدينة أورومتتشي ممثلي الطرفي.
مع ذلك، ورغم المحادثات، أعلنت باكستان أن عمليتها «غضب للحق» ستستمر لضمان الضغط الميداني.
ليس سهلا خفض التصعيد والتقدم نحو التهدئة، اذ تسعى إسلام آباد للحصول على ضمانات مكتوبة وموثقة من كابل تضمن عدم استخدام الأراضي الأفغانية من قبل جماعة «تحريك طالبان باكستان» لشن هجمات عبر الحدود.
هذا في وقت يضغط فيه الاعتبار الاقتصادي على جانبي الحدود لإعادة فتح المعابر التجارية الحيوية.
العقد الاجتماعي بين قوم الباشتون وحركة طالبانيرتبط مسار الحرب الحالية، وما إذا كانت تؤسس لاستنزاف دام ومزمن، بما آلت اليه الأوضاع في تلك المنطقة من العالم منذ نجحت طالبان في اثر الانسحاب الأمريكي قبل خمس سنوات باحكام قبضتها على كامل الأراضي الأفغانية لأول مرة منذ عقود، منهيةً عقودا من الحروب الأهلية وحروب التدخل، إنما من دون صياغة ما يمكنه أن يمت من قريب أو بعيد بمقتضيات العقد الاجتماعي بين قوم الباشتون وحركة طالبان متجذرة فيهم وبين الطاجيك والأوزبك والهزاره.
بالرغم من وجود تمثيل دبلوماسي لبعض الدول لا تزال حكومة طالبان تفتقر للاعتراف الدولي الرسمي، مما يحرمها من المقاعد الدولية ومن الأصول المجمدة (نحو 7 مليارات دولار في أمريكا).
أما الخطر الداخلي، فلم تواجهه الطالبان من الفصائل التي تصدرت المشهد الأفغاني لسنوات طويلة، على خلفية الحرب ضد السوفيات والحكم الشيوعي، بل من طرف تنظيم الدولة الإسلامية فرع خراسان.
حيث ينفذ هجمات دموية تستهدف الأقليات والشيعة والدبلوماسيين لتقويض شرعية طالبان الأمنية.
ولم يعد خطر «داعش خراسان» محصوراً داخل أفغانستان، فقد أثبت التنظيم قدرته على التخطيط لهجمات كبرى في الخارج، مثل هجوم «كروكوس» في موسكو في اذار/مارس 2024 ومثل وهجوم كرمان في إيران، مما جعله «الفرع الأخطر» من بين الشبكات المنضوية تحت مظلة تنظيم «الدولة».
تتشارك الصين مع روسيا وإيران الخشية من أن يتحول شمال أفغانستان إلى قاعدة لداعش خراسان لشن هجمات في آسيا الوسطى وداخل حدودها هي، وهو ما يدفع هذه الدول لاستمرار التنسيق مع طالبان.
في المقابل، وكما تتهم باكستان حكومة كابول بايواء جماعة التحريك والتواطؤ معهم، كذلك لمح أكثر من مسؤول في طالبان بصلات بين باكستان وداعش خراسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك