لا يتخذ الرجال بمن فيهم أعتى قادة الدول والحروب قرارات صائبة دائماً.
بعضهم رغم أنه حقق انتصارات وشيد إمبراطوريات، إلا أنهم وقعوا في أخطاء أنهت ما شيدوه مبكراً.
نابليون على سبيل المثال خسر الكثير من المعارك وأهمها الحرب ضد روسيا وخسر معها إمبراطورية فرنسية ممتدة على غالبية مساحة أوروبا.
مثل هؤلاء الرجال استحوذت على عقولهم رغبة جامحة في مجد عسكري، لا يهم كم يقتلون في مقابل ذلك، في لحظة الانتشاء هذه، لا يفكرون إذا هم أنفسهم قُتلوا أو هُزموا، نشوة الانتصار والمجد تطغى على عقولهم.
يحلمون بتعليق أوسمة النبوغ والانتصار على صدورهم، حيث يسطرون اسم المنتصر باعتباره الأذكى، رغم أن النصر قد يكون لأسباب تتعلق بخطأ ما أو تدخل عامل خارجي مثل الطقس – زمن القرون الوسطى – أو فشل قائد رغم قوة الجيش، أو ضعف جيش رغم براعة القائد.
ليست كل الحروب خضعت قبل إشعالها، للتفكير المتعمق أو دراسة اتخاذ قرارها بناءً على معطيات سليمة.
قد يتخذ أحمق – وما أكثرهم - قرار الحرب فيضع بلاده وجيشها تحت نير الهزيمة.
إذا خاطر رجل الصناعة واتخذ قراراً سيئاً، سيتسبب في انهيار مصنعه وصناعته وفقدان عماله مصدر رزقهم، وإذا أخطأ رجل أعمال في قراءة مؤشر البورصة قد يخسر أموالاً ضخمة وكل هذه الأشياء ليست قاتلة ويمكن تعويضها، لكن إذا ارتكب حاكم دولة أو قائد جيش خطأً في قرار أصدره بشأن الحرب، فإن ثمن خطئه سيكون دماء وحياة آلاف البشر.
حين نمعن النظر في مشهد الصراع الدولي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يبدو العالم وكأنه يقف على حافة لوحة شطرنج عملاقة، تتحرك فوقها القوى الكبرى بقدر من الحذر بقدر ما تحركها الغريزة.
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، لم يعد الصراع مجرد نزاع إقليمي، بل تحول إلى اختبار مفتوح لشكل النظام الدولي القادم، حيث تتقاطع طموحات روسيا في أوكرانيا مع تطلعات الصين نحو تايوان، بينما تسعى أمريكا إلى تثبيت نفوذها في مناطق الطاقة الحيوية.
الحديث عن قرار الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يعد مدخلاً لفهم كيف تفكر الدول حين تختار أخطر أدوات السياسة: القوة المسلحة.
قرار الحرب في الأنظمة الغربية، وعلى رأسها أمريكا، يفترض أنه لا يصنع في لحظة انفعال، بل حصيلة تفاعل معقد بين مؤسسات متعددة، المخابرات، دوائر صنع القرار السياسي، المؤسسة العسكرية، ضغوط الداخل، وحسابات الحلفاء.
ومع ذلك، فإن هذا التعقيد لا يمنع الوقوع في أخطاء جسيمة، لأن القرار في جوهره يقوم على تقدير النوايا والقدرات، والأخيرتان هما أكثر عنصرين عرضة للخطأ.
تبنى قرارات الحرب على ثلاثة افتراضات، أن الخصم يمكن ردعه بسرعة، وأن قدراته أقل مما يعلن، وأن البيئة الدولية لن تتدخل بشكل حاسم.
في حالة إيران، انطلق التقدير الأمريكي – الإسرائيلي من تصور أن الضربات المكثفة يمكن أن تحدث صدمة استراتيجية تدفع طهران إلى التراجع السريع.
لكن مثل هذه الحسابات تتجاهل طبيعة الدولة الإيرانية، التي قامت بنيتها الأمنية والعسكرية على مبدأ الصبر الاستراتيجي والقدرة على امتصاص الضربات ثم الرد بشكل غير متكافئ.
هنا يظهر الخلل الكلاسيكي في قرارات الحرب، الخلط بين التفوق العسكري والقدرة على تحقيق نصر سريع.
التاريخ يخبرنا أن الحروب لا تحسم فقط بالقوة، بل بقدرة الطرفين على التحمل.
هذا ما لم تدركه أمريكا بوضوح في حرب فيتنام، حين امتلكت تفوقاً ساحقاً، لكنها عجزت عن كسر إرادة خصم أقل تسليحاً وأكثر صبراً.
تكرر المشهد بشكل مختلف في غزو العراق، حين بني القرار على معلومات مخابراتية خاطئة وافتراضات متفائلة حول إعادة تشكيل المنطقة، فانتهى الأمر بفوضى استراتيجية طويلة الأمد.
أما إسرائيل فهي تميل إلى مبدأ الحسم السريع، نتيجة ضيق مساحتها الجغرافية وحساسيتها الأمنية.
لكن هذا المبدأ نفسه كان سبباً في إخفاقات حين اصطدم بواقع مختلف، كما حدث في حرب لبنان 2006، حيث لم تؤد القوة الجوية والضربات المكثفة إلى النتيجة السياسية المرجوة، بل كشفت حدود القوة العسكرية أمام خصم غير تقليدي.
يبدو صمت الصين وكأنه جزء من استراتيجية أعمق، تقوم على مراقبة استنزاف الخصوم دون تدخل مباشر، انتظاراً للحظة تتغير فيها موازين القوة بهدوء.
إنها سياسة الجلوس على ضفة النهر ومشاهدة جثث الخصوم تمر، كما في الحكمة الصينية القديمة.
أما روسيا، فقد استفادت من انشغال الغرب بتعدد الجبهات، سواء عبر إعادة توجيه أسواق الطاقة أو عبر تخفيف الضغط الاستراتيجي عنها.
أكثر ما يثير الانتباه، أن التاريخ مليء بقرارات حرب بدت في لحظتها منطقية لصناعها، لكنها كانت في حقيقتها مغامرات غير محسوبة.
يكفي أن نتذكر غزو نابليون بونابرت لروسيا، حين اعتقد أن حملة خاطفة ستخضع روسيا، فانتهى جيشه العظيم إلى التلاشي في الثلوج.
أو قرار أدولف هتلر إطلاق عملية بارباروسا، الذي فتح جبهة استنزفت ألمانيا وقادت إلى سقوطها.
وفي العصر الحديث كان قرار الأرجنتين خوض حرب جزر فوكلاند مثالاً على سوء تقدير الإرادة البريطانية.
القاسم المشترك بين هذه القرارات ليس الغباء بمعناه البسيط فحسب، بل الثقة المفرطة المقترنة بالغرور وبقراءة انتقائية للواقع.
القادة لا يرون العالم كما هو، بل كما يتمنون أن يكون، وتصاغ التقارير أحياناً لتدعم القرار بدلاً من أن تختبره.
إن أي حرب يعتقد أنها ستنتهي خلال أيام تحمل في داخلها بذور التعثر والفشل.
الحروب القصيرة هي الاستثناء، لا القاعدة.
وما لم يبن القرار على فهم عميق لإرادة الخصم، وقدرته على التكيف، وتعقيدات البيئة الدولية، فإنه يتحول من أداة لتحقيق الأهداف إلى فخ استراتيجي يدفع ثمنه المخطئ.
والمؤكد أنه لو كانت النتيجة النهائية للحرب الإيرانية، فشل أمريكا وإسرائيل، فإن النظام العالمي سيتغير وكذلك النظام الإقليمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك