ثمانية وأربعون ساعة تفصل بين الجحيم الذي توعَّد به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبين الوصول إلى نقطة يبدأ منها التفاوض والحل الدبلوماسي.
العالم يحبس أنفاسه، فما جرى خلال أيام قليلة فقط من الحرب العدوانية الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، يعيد إلى الأذهان لحظات مفصلية سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى.
لكن تظل مؤشرات اندلاع حرب عالمية ثالثة ضعيفة نسبياً في الوقت الراهن، رغم التحذير الذي أطلقه ترامب عبر منصة «تروث سوشيال» مذكراً بمهلة أعطاها لإيران سابقاً (10 أيام) لعقد اتفاق أو فتح مضيق هرمز بشكل كامل وغير مشروط قائلاً: «الوقت ينفد - 48 ساعة فقط قبل أن يحل عليهم الجحيم كله».
منذ بداية الحرب وترامب يهدد ويتوعَّد بصب الجحيم ومحو إيران من الخريطة الجغرافية، فماذا يقصد بالجحيم الآن؟ هل هو ضربات عسكرية أمريكية - إسرائيلية هائلة ومباشرة على البنية التحتية الإيرانية، خاصة محطات توليد الكهرباء، وحقول النفط والغاز، وجزيرة «خرج» مركز تصدير النفط الإيراني، وربما محطات تحلية المياه؟ !كان ترامب قد أطلق تهديدات سابقة ومتكررة بتدمير كامل لهذه المنشآت، ووصفها بأنها ستعيد إيران إلى العصر الحجري، وهي التصريحات التي لاقت استنكاراً كبيراً، خاصة في أوساط منظمات حقوق الإنسان وخبراء القانون الدولي الذين اعتبروها إعلاناً صريحاً واعترافاً باحتمالية ارتكاب جريمة حرب ترقى للإبادة الجماعية المعلنة.
هناك من يهول من تصريحات ترامب ويرى أن شرارة الحرب العالمية الثالثة تلوح في الأفق، فقد تشتعل من قرار سياسي خاطئ أو سوء تقدير، أو تطرُّف في الخطاب السياسي وعدم تقديم تنازلات من كل الأطراف المعنية، وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات قوية حتى الآن على تحول الصراع إلى حرب عالمية تشمل قوى كبرى مثل روسيا والصين بشكل مباشر، إلا أن المخاطر لا تزال موجودة وتزداد إذا حدث أي سوء تقدير في ظل الأجواء المشحونة وتصاعد حدة التوتر بين أطراف الحرب.
غير أن ما يجعل احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة ضعيفاً حالياً، يظهر من خلال السلوك الروسي والصيني، فقد أدانت الدولتان الضربات الأمريكية - الإسرائيلية لفظياً فقط، لكنهما لم تقدما دعماً عسكرياً مباشراً لإيران.
فمثلاً الصين دعت لوقف فوري لإطلاق النار بسبب اعتمادها على النفط عبر مضيق هرمز، وروسيا تستفيد اقتصادياً من ارتفاع أسعار النفط وانشغال أمريكا، وكلاهما عرقلتا قراراً في مجلس الأمن يسمح باستخدام القوة لإعادة فتح المضيق.
أما أوروبا وحلف الناتو فلا توجد مشاركة نشطة حتى الآن توحي بإمكانية اشتعال الصراع الدولي، بل بالعكس الرئيس الأمريكي انتقد أكثر من مرة الحلفاء لعدم انضمامهم للقتال من أجل أنفسهم على حد قوله، وذهب لأكثر من ذلك عندما هدَّد بالانسحاب من حلف الناتو تعبيراً عن غضبه الشديد من دول أوروبا التي لم تسلم من شتائمه وتهكمه على قادتها، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة تقول إن أهدافها الأساسية قريبة من الإنجاز، والحرب مستمرة منذ أكثر من شهر دون تورط قوى نووية أخرى.
وهناك من يرى أن الخطورة تكمن في حرب إقليمية طويلة الأمد أو أزمة اقتصادية طاحنة، لا حرب عالمية شاملة، رغم أن مؤشرات التصعيد ما زالت مرتفعة مثل إغلاق مضيق هرمز الذي أثَّر على 20- 30% من إمدادات النفط العالمية، ما تسبب في ارتفاع الأسعار وأزمة اقتصادية عالمية باتت محتملة وأكثر حدوثاً إذا ما طال أمد الحرب، كما أن إيران من جانبها هددت برد شامل يتضمن ضرب منشآت طاقة في الخليج، قواعد أمريكية.
إلخ، إذا تم تنفيذ التهديد بالضربات الموجعة، وهنا يبرز دور الحلفاء (الحوثيين وحزب الله وميليشيات العراق وسوريا المؤيدة لإيران) والتي قد تؤدي إلى توسع الجبهات.
الاحتمال الأكثر ترجيحاً حالياً على الأقل هو استمرار الضغط العسكري - الدبلوماسي بالتزامن، لإجبار إيران على صفقة تشمل فتح مضيق هرمز ووقف إطلاق النار، أو استمرار ضربات محدودة إضافية إذا انتهت المهلة دون استجابة، والمرجَّح أن حرباً عالمية ثالثة تحتاج تورطاً مباشراً من روسيا والصين وكوريا الشمالية، وهذا الاحتمال غير مرجَّح الآن لأن مصالحهم لا تتطلب ذلك، لكن تظل المخاطر على حافة الهاوية، وتزداد احتمالات السقوط في أية لحظة إذا امتد الصراع إلى الخليج بالكامل، أو حدث حادث نووي كيميائي لا قدَّر الله.
الوضع يتغير كل ساعة، ومهلة 48 ساعة قنبلة موقوتة قد يؤجَّل نزع فتيلها، وهو ما نتمناه ونتوقعه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك