في الساعات التي يسبق فيها الفجر، حين تخف الأصوات في الموانئ وتغرق السفن في ظلام البحر، يرن الهاتف في مكان آخر من العالم، في الثانية أو الثالثة صباحًا، تتلقى خطوط الاتصال مكالمات متوترة من بحارة عالقين في مناطق خطر، يروون ما يعانيه هؤلاء في ظل استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وإغلاق مضيق هرمز.
يقول مفتش في الاتحاد الدولي لعمال النقل إنه تلقى ذات مرة اتصالًا من بحار مذعور: «لقد تعرضنا للقصف هنا، لا نريد أن نموت، أرجوكم ساعدوني»، كلمات قصيرة، لكنها تحمل ثقل الخوف والعجز، وتعكس واقعًا يعيشه كثير من العاملين في البحر بعيدًا عن الأنظار، حيث يصبح الخط الفاصل بين العمل والحياة رفيعًا إلى حد مقلق.
في أعماق الخليج، حيث تتكدس السفن في انتظار ممر آمن، لا تقاس الأزمة بالأرقام وحدها، بل بما يعيشه آلاف البحارة الذين وجدوا أنفسهم عالقين في البحر، بلا جدول واضح للعودة، وتحت تهديد دائم بتصاعد التوترات العسكرية.
تقدر تقارير دولية أن آلاف السفن، يصل عددها إلى نحو ألفي سفينة، تتكدس في المنطقة، حاملة على متنها عشرات الآلاف من البحارة الذين تحولت حياتهم فجأة إلى حالة من الانتظار القسري، وبينما تتحدث البيانات عن اضطراب في حركة الملاحة، يكشف البحارة أنفسهم صورة أكثر قسوة، حيث العزلة، والنقص في الإمدادات، والخوف الذي لا يتوقف.
على متن هذه السفن، تبدأ التفاصيل اليومية في الانهيار تدريجيًا، مياه الشرب تُقنن، والوجبات تُحسب بدقة، فيما يحاول الطاقم الحفاظ على ما تبقى من الموارد، بعض البحارة لجأوا إلى حلول بدائية، مثل الاعتماد على مياه التكييف أو محاولة صيد الأسماك لتأمين الحد الأدنى من الغذاء.
لكن الخطر لا يقتصر على نقص الإمدادات، ففوق سطح البحر، يمر التهديد بشكل آخر، أصوات انفجارات بعيدة، وطائرات مسيرة، ومؤشرات على عمليات عسكرية في المنطقة، هذا الواقع يضع البحّارة، الذين لا علاقة لهم بالحرب في موقع هش.
ولقى عدد من البحارة حتفهم على متن السفن العالقة، لكن لم يُكشف عن سبب الوفاة، ولا تتوفر تفاصيل كاملة عنها.
رغم محدودية ظهورهم العلني، تكشف رسائل متداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي عن حجم المعاناة، حيث بعض البحارة يصفون أنفسهم بأنهم محتجزون، فيما يقول آخرون إنهم يخشون حتى إخطار عائلاتهم بحقيقة ما يحدث على متن السفن.
وفي رسائل أخرى، تظهر مخاوف واضحة من نفاد الإمدادات، إلى جانب شعور بالعجز التام عن مغادرة المكان، هذه الشهادات، التي تنتقل عبر فيسبوك وتطبيقات المراسلة، تُظهر أن الأزمة إنسانية بالدرجة الأولى.
تُثير الأزمة تساؤلات حول دور شركات الشحن، خاصة في ظل تقارير تشير إلى استمرار بعض السفن في العمل رغم المخاطر، كما يلجأ بعض البحارة للبقاء على متن السفن بسبب التزامات العمل أو غياب بدائل للإجلاء.
وتتحمَّل الشركات مسؤولية مباشرة عن سلامة الطواقم، لكن الواقع يكشف عن فجوة بين هذه المسؤولية والتطبيق الفعلي على الأرض.
عمليات إجلاء بطيئة ومعقدةرغم التحذيرات، لا تزال عمليات الإجلاء بطيئة ومعقدة، ويرجع ذلك إلى حساسية المنطقة عسكريًا، وصعوبة التنسيق بين الأطراف المختلفة، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بالتحرك في منطقة تشهد توترًا عسكريًا.
وفي المقابل، تحاول منظمات دولية ونقابات عمالية التدخل عبر التواصل مع البحارة وجمع بيانات عن أوضاعهم، لكن هذه الجهود لا تزال محدودة مقارنة بحجم الأزمة.
يتعين على الدول التي ترفع السفن أعلامها بذل المزيد من الجهود لضمان حماية البحارة العاملين على متن سفنها وتوفير الدعم اللازم لهم.
يقول ناثان سمث، مفتش في الاتحاد الدولي لعمال النقل: «عندما يقع أي خطأ، تكون العواقب فورية وملموسة على الطاقم وعائلاتهم، يجب أن تكون هناك آلية واضحة وقابلة للتنفيذ لضمان دعم عائلاتهم وتعويضهم دون تأخير».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك