كم تقدر المسافة بيننا وبينهم؟ ! أعني البون الشاسع بين حضارة العرب وعولمة الغرب المتفنن في وأد كل خلق إنساني! إن أحدا لا ينكر تفوقهم المادي، حتى لو اتخذوا طرقا غير شريفة للوصول إلى القمر، أو حتى هيؤوا أبحاثهم وطوروها لتصل إلى أقوى الوسائل في تعذيب البشر، بعد وصولها إلى الأعصاب.
وحالة الخمود عندنا، وسقوطنا في بئر سحيق من التبعية والجهل والتيه، أسبابه كثيرة ومركبة، ولست معنيا في هذه اللحظة بتغيير الكون وإعادة البوصلة نحن الأحفاد لجيل فريد سمع وأطاع، فسخر الأرض لمنجز ليس له مثيل على مستوى التقدم والرقي والأخلاق.
إنما دوري هو وأد سخافات المنبطحين والأسرى لغيرهم على السواء.
وقد قلت في معرض حديث سابق، في ندوة لم تتكرر؛ إن عقدة الخواجة تخرج من نفس مشكاة نظرية المؤامرة، ومن يفتح عينه، ويقرأ الأحداث مختلطا بالناس ومفتشا عن الحقائق، سيعرف أن الأوهام قد تحكمت في إرادات كثير من الحمقى، والمؤسف أنهم على قدر من الثقافة.
وهذا أخطر ما تواجهه الأمم عندما يحاول بعض أفرادها التغيير.
فمن سيقف سدا منيعا أمامك ليس الفسدة ولا الحكام، إنما أنصاف المثقفين، المهزومين نفسيا وروحيا.
وفي لحظة استثنائية استفهمني أحدهم: " هل القراءة تقضي على الفقر والمرض وقلة الحيلة والعجز وتنجينا مما نحن فيه؟ ".
هذا هو السؤال الذي بادرني به رجل من جيل النكسة، وهي ليست نكسة واحدة، بل هزائم متكررة لأناس كان مشربهم الروتين والأنانية والتفكير الفردي السقيم.
يا هذا! حينما كانت أرض العرب يسود فيها الجاهلية، ووأد البنات، والهمجية، والوثنية، والرق، والجواري، جاء الوحي واضحا وصريحا بصيغة الأمر لعبده الصادق الأمين: " اقرأ".
فهل تحسبها كلمة ليس في جوهرها معان كثيرة تئد كل أشكال الظلام؟ !اقرأ منهج لا يخترقه اليأس، ولا تقضي عليه أفكار مستوردة… هي التزام بمبادئ الإنسانية وثبات على أركان البقاء على قيد الحياة… نور يقذفه الله في قلب الذين أدركوا على الحقيقة أنهم خلفاء لهذا الخالق العظيم.
ولغيره لا يعرفون الانحناء.
إنني أود على سبيل التقرير لا الظن أن أؤكد على حقيقة ثابتة في وجدان الثقافة، من بدأ بالزيات والعقاد وسيد قطب والمازني وأحمد أمين والمنفلوطي، والرافعي والعميد والسمان ومحمود شاكر وعبدالعزيز البشري ومحمد سعيد العريان والغمراوي والطنطاوي والمعداوي والدكاترة وشكري وعباس خضر وعبدالقادر القط وكوكبة من النجوم في عالم البيان.
سينتهي به المطاف إلى أنموذج فريد يسحر الناس، ويأخذ على أيدي المكفوفين جهلا، ويخضع الصم فيسمعهم، فلا يستنيم السكرى بالأحلام، ويعود المتخاصمين إلى معان لا تتخاذل عن نجدتهم.
إن مهمة التغيير على من ملك اللغة، وركعت له الصور، وقدمت له البلاغة معينها، تصبح شيئا هينا، إذ لا نتخيل صمود الوهم أمام قوارع العزم المتغلب على اللسان العيي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك