في وقت يمر فيه النظام الدولي بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة، وبفعل رياح التغيير التي تهب من شرق أوروبا لتلقي بظلالها على العالم أجمع، خرج التقرير السنوي للأمين العام لحلف الناتو لعام 2025، ليضع النقاط على الحروف في خارطة طريق أمنية غير مسبوقة؛ فلم يكن التقرير مجرد أرقام وإحصائيات دورية، بل جاء كـ«وثيقة مكاشفة» تعلن استنفاراً شاملاً لمواجهة عالم «الأخطار المتعددة»؛ حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين الأمن الإقليمي والأمن العالمي.
من بروكسل انطلقت الرسالة مدوية للحلف العسكري، قائلاً في تقريره: «نحن في سباق مع الزمن»؛ فبينما تتصاعد ميزانيات الدفاع لتتجاوز حاجز الـ1.
4 تريليون دولار، وتتحول التكنولوجيا من «رفاهية رقمية» إلى «سلاح حسم» في ميادين القتال عبر الذكاء الاصطناعي وحروب الفضاء، تجد نفسك أمام مشهد يعيد تشكيل مستقبل القوى العظمى.
التقرير السنوي لحلف الشمال الأطلنطي: أحياء أوروبا تتحول إلى ثكنات متأهبةالتقرير السنوي لـ«الناتو» لا يهم العسكريين والسياسيين فحسب، بل يمس حياة «المليار إنسان» القابعين تحت مظلة الحلف، والعالم بأسره، لتأثير الحلف بشكل مباشر على التوازنات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط والمتوسط؛ فهي قصة صراع الإرادات، وصناعة الردع، والبحث عن الأمان في عالم يغلي فوق فوهة بركان من التحديات الجيوسياسية والتكنولوجية.
استراتيجية تجارية جديدة تحول الأقمار الصناعية الخاصة إلى «عيون لا تنام»بينما كان العالم يأمل في هدوء نسبي مع انتصاف العقد الحالي، بعد سلسلة من الحروب والمواجهات الدامية خلال السنوات القليلة الماضية، يأتي تقرير الأمين العام لحلف الناتو لعام 2025 ليعلن صراحة أن عصر السكينة العالمي قد انتهى، إذ تحولت التهديدات الأمنية من «مخاوف تقليدية» إلى «أخطار وجودية» عابرة للحدود والمجالات، مما أجبر الحلف على تفعيل أقصى درجات اليقظة لحماية مليار إنسان.
ويقطع تقرير الناتو الشك باليقين؛ فروسيا لا تزال تمثل «التهديد الأكثر مباشرة والأهم» لأمن الحلفاء وللسلام والاستقرار في المنطقة اليورو-أطلسية، بحسب التقرير، ليؤكد الأمين العام للناتو، في تقريره، أن موسكو لا تكتفي بالصراع مع أوكرانيا مع دخول الحرب عامها الخامس، لكنها تصبح أكثر تهوراً في تحركاتها أيضاً.
ويوضح أن عام 2025 سجَّل تصاعداً في انتهاكات المجال الجوي لدول الحلف، وأنشطة التخريب، والهجمات السيبرانية الخبيثة التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي للدول الأعضاء، فلم يعد الخطر الروسي منفرداً، إذ يؤكد التقرير أن موسكو تتلقى دعماً متزايداً من «محور شر» الذي يضم، بحسب تقرير الناتو، كلاً من «الصين، وكوريا الشمالية، وإيران، وبيلاروسيا»، مما جعل الصراع الأوكراني قضية أمن عالمي لا تقتصر على الحدود الأوروبية.
استنفار القوات من «قاع المحيط» إلى «مدارات الفضاء» لحماية الشرايين الحيويةولأول مرة يُبرز التقرير بوضوح كيف أصبحت «المنافسة الاستراتيجية» هي المحرك الأساسي للأحداث العالمية، فالصين؛ بطموحاتها العسكرية المتنامية وشراكتها بلا حدود مع روسيا، باتت تشكل تحدياً لأنظمة وقيم الحلف، إذ يرصد التقرير حملات سيبرانية منسَّقة من قبل جهات فاعلة صينية استهدفت البنية التحتية للدول الأعضاء بـ«الناتو» في مايو 2025، مما استدعى إدانة رسمية من مجلس شمال الأطلسي.
حروب «الأعماق والسحاب»: عملية «حارس البلطيق» تحمي كابلات الإنترنت وأنابيب الطاقةوانتقل مسرح العمليات في 2025 إلى مناطق لم تكن في الحسبان؛ فالبنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر، مثل كابلات البيانات وأنابيب الطاقة، تعرَّضت لتهديدات ومضايقات متكررة، خاصة في منطقة بحر البلطيق، ليُطلق الحلف عملية «حارس البلطيق» لتعزيز الوجود العسكري وحماية هذه الشرايين الحيوية.
«الدب الروسي» يتجاوز الخطوط الحمراء بـ«تهور سيبراني»أما في الفضاء، فإن التقرير يحذر من «عسكرة متزايدة» للقطب الشمالي من قبل روسيا ومنافسين استراتيجيين آخرين، فالهجمات التي تستهدف الأقمار الصناعية أو التشويش على أنظمة الملاحة لم تعد خيالاً علمياً، بل أصبحت أدوات تستخدمها الجهات الفاعلة لتعطيل الدفاعات والاتصالات.
«التنين الصيني» يدخل دائرة الاستهداف الاستراتيجي لأول مرةورغم التركيز على صراع القوى العظمى، يؤكد التقرير أن «الإرهاب يظل تهديداً مستمراً»، فيراقب الناتو بقلق شديد التقلبات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يوفر عدم الاستقرار بيئة خصبة للجماعات المتطرفة.
الجديد في عام 2025، بحسب تقرير الناتو، هو تطور أدوات الإرهاب، حيث باتت الطائرات بدون طيار، الرخيصة والمتاحة، تشكل تحدياً كبيراً، حيث أصبحت الجهات الفاعلة غير الحكومية تستخدم هذه التقنيات لشن هجمات يصعب رصدها بالوسائل التقليدية، مما دفع الحلف لإطلاق حزمة إجراءات (C-UAS) لمواجهة هذا التهديد المتنامي.
ويصف تقرير الحلف أن الفضاء السيبراني أصبح بمثابة «جبهة قتال يومية»، ففي كل ساعة تحاول جهات تابعة لدول أو مجموعات إجرامية اختراق دفاعات الناتو وتخريب بنيته التحتية الرقمية، مؤكداً أن هذه الهجمات لا تستهدف العسكريين فقط، بل تسعى لنشر «عدم الثقة والفُرقة» داخل المجتمعات الديمقراطية وتقويض الدعم الشعبي لأوكرانيا.
ويؤكد «الناتو» ضرورة تبني نهج «360 درجة»، وهو ما يعني الاستعداد لمواجهة أي تهديد من أي اتجاه، وفي أي وقت، حيث إن الدفاع عن مليار إنسان لم يعد يتطلب سلاحاً قوياً فحسب، بحسب «الناتو»، بل يتطلب صموداً مجتمعياً، وسبقاً تكنولوجياً، وتماسكاً سياسياً غير مسبوق في وجه عالم لم يعد يعترف بقواعد اللعبة القديمة.
وبعدما رسم «الناتو» خارطة التهديدات، ينتقل إلى خطة المواجهة؛ فلم يعد مفهوم الدفاع لدى حلف الناتو مجرد حشود عسكرية على الحدود، بل تحول إلى استراتيجية «360 درجة»، وهي منظومة دفاعية شاملة تعمل في وقت واحد على الأرض، وفي أعماق البحار، وفي السماء، وصولاً إلى الفضاء الخارجي والفضاء السيبراني.
في أروقة مقرات الناتو ببروكسل، لم يعد الحديث مقتصراً على عدد الدبابات أو الطائرات، بل أصبح «التفوق التكنولوجي» هو العملة الصعبة التي يراهن عليها الحلف لضمان أمن مليار إنسان، ففي عام 2025 أحدث الحلف قفزة نوعية بدمج التقنيات الناشئة والمزعزعة في صلب عقيدته العسكرية، محولاً الذكاء الاصطناعي من تجارب معملية إلى أدوات ميدانية.
وكشف التقرير عن نجاح الحلف في دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة لتعزيز قدرة القادة العسكريين على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، ومن أبرز هذه الإنجازات استخدام «نظام مافن الذكي» الذي يعمل كـ«محرك تحليل» عملاق يقوم بمعالجة كميات هائلة من البيانات القادمة من أجهزة الاستشعار والطائرات بدون طيار والأقمار الصناعية، ليقدم صورة استخباراتية فورية لا تستطيع العقول البشرية وحدها استيعابها بمثل تلك السرعة.
ولضمان عدم ضياع الابتكارات في البيروقراطية، وافق وزراء دفاع الحلف، في عام 2025، على خطة عمل الاعتماد السريع، وهذه الخطة صُمِّمت خصيصاً لتسريع نقل التقنيات الحديثة من الشركات الناشئة والمبتكرين إلى أيدي الجنود في الميدان.
ولتعزيز هذا التوجه، أطلق ذراع الابتكار التابع للحلف 10 تحديات جديدة للمبتكرين، تركز على مجالات حيوية، مثل الطاقة والقدرة على تأمين مصادر طاقة مستدامة ومستقلة للقوات، والصمود البشري والتكنولوجيا الحيوية لتعزيز قدرات الجنود في أقسى الظروف، وعمليات الفضاء المرنة لضمان استمرار الاتصالات والمراقبة حتى في حال استهداف الأقمار الصناعية.
وأشار التقرير إلى أن «الناتو» بدأ بالفعل في الاستعداد لـ«عصر الكم»، فبينما يمكن للحواسيب الكمية المستقبلية كسر التشفير التقليدي، بدأ الحلف في تطبيق استراتيجيات لتأمين اتصالاته وحماية بياناته الحساسة من هذا التهديد المستقبلي، مع استكشاف استخدام تكنولوجيا الكم في تحسين أنظمة الرادار والاستشعار تحت الماء.
وفي فبراير 2025 تبنَّى «الناتو» أول «استراتيجية تجارية للفضاء» في تاريخه، وهذا التحول يعني أن الحلف لم يعد يعتمد فقط على الأقمار الصناعية الحكومية، بل بدأ في بناء شراكات قوية مع شركات الفضاء الخاصة، والهدف هو استغلال آلاف الأقمار الصناعية التجارية الصغيرة لتوفير شبكة اتصالات ومراقبة «لا يمكن تدميرها»، وضمان تدفق المعلومات حتى لو تعرَّضت الأنظمة العسكرية التقليدية للتعطيل.
ولم تكن التكنولوجيا في تقرير 2025 مجرد نظريات، بل كانت نتاج دروس قاسية من ميدان المعركة في أوكرانيا، فمن خلال مركز التحليل والتدريب المشترك في بولندا، تبادل خبراء الناتو وأوكرانيا الخبرات حول كيفية مواجهة الطائرات بدون طيار، وتشويش الاتصالات، واستخدام الذكاء الاصطناعي في توجيه نيران المدفعية.
ولقد أثبت عام 2025 أن «الناتو» لم يعد مجرد تحالف عسكري تقليدي، بل تحول إلى مركز عالمي للابتكار الدفاعي، حيث تُستخدم التكنولوجيا ليس لشن الحروب، بل لخلق حالة من «الردع الرقمي» تجعل أي هجوم على الحلف مغامرة خاسرة تقنياً قبل أن تبدأ عسكرياً.
وكشف التقرير أن السماء لم تعد مكاناً آمناً، لذا نشر الحلف سياسة جديدة لـ«الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل»، فالتحدي الأكبر هو الطائرات الصغيرة بدون طيار، التي أصبحت سلاحاً رخيصاً وفتاكاً في يد الدول والجهات غير الحكومية على حد سواء، واستجابة لذلك أطلق الحلف حزمة إجراءات لمكافحة الأنظمة الجوية غير المأهولة (C-UAS)، تضمنت شراء أنظمة دفاعية متطورة وتحسين التنسيق الطارئ بين الحلفاء.
وأعلن التقرير نجاح سفينة بحثية تابعة لـ«الناتو» في اكتشاف التوقيع الصوتي لمرساة سفينة تصطدم بقاع البحر، وهو ما يُعد طفرة في حماية الأنابيب والكابلات تحت الماء من أعمال التخريب العمدية، كما تم تفعيل نظام تشغيلي يوفر وعياً شاملاً من «قاع البحر إلى الفضاء»، حيث يحلل كميات هائلة من بيانات الأقمار الصناعية والسونار للكشف عن السفن المشبوهة وتوقع الهجمات قبل وقوعها.
ولم يعد الفضاء مجرد مجال للمراقبة، بل صار جبهة دفاعية، ليفتتح «الناتو»، بحسب تقريره، مركز العمليات الجوية المشترك في النرويج لتعزيز العمليات في القطب الشمالي، وأطلق أول استراتيجية تجارية للفضاء للتعاون مع الشركات الخاصة لتأمين الاتصالات الفضائية، وفي الوقت نفسه يتصدى خبراء الحلف يومياً لمحاولات اختراق تهدف إلى شل البنية التحتية الرقمية، معتبرين أن «التفوق الرقمي» هو الضمان الحقيقي لنجاح أي عملية عسكرية على الأرض.
ولم تقتصر الاستراتيجية على المعدات، بل شملت الهيكل التنظيمي، حيث توسعت منطقة مسئولية قيادة القوة المشتركة في «نورفولك» بالولايات المتحدة لتشمل رسمياً الدنمارك وفنلندا والسويد، وهذا التحول يعني أن «الناتو» بات يمتلك قيادة موحدة تدير الدفاع عن منطقة القطب الشمالي وشمال الأطلنطي بالكامل، مما يُغلق أي ثغرات قد يحاول الخصوم استغلالها.
لكن لكل تلك التحركات تكلفة؛ فإذا كانت الدبابات والصواريخ والمسيَّرات هي التي ترسم ملامح الميدان، فإن «دفاتر الشيكات» هي التي تقرر مَن سيصمد في النهاية، ففي عام 2025 أعلن حلف الناتو عما يمكن وصفه بـ«الثورة المالية الدفاعية»، محطماً أرقاماً قياسية صمدت لعقود، ومطلقاً العنان لاستثمارات عسكرية غير مسبوقة تهدف إلى ضمان التفوق النوعي في عالم لا يعترف بالضعفاء.
ويقدر تقرير «الناتو» إجمالي نفقات الدفاع الأساسية للحلفاء في عام 2025 بأكثر من 1.
4 تريليون دولار، وهذا الرقم ليس مجرد زيادة سنوية روتينية، بل هو تتويج لمسار تصاعدي بدأ منذ عام 2014، حيث ضاعف الحلفاء الأوروبيون وكندا إنفاقهم الدفاعي بنسبة مذهلة بلغت 106% في غضون 10 سنوات فقط.
الرسالة السياسية خلف هذه الأرقام كانت أقوى من قيمتها المادية، فلأول مرة في تاريخ الحلف الحديث، التزمت جميع الدول الأعضاء (32 دولة) ليس فقط بإنفاق 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، بل تجاوز أغلبها هذا السقف بكثير، مما يعكس إجماعاً على أن «تكلفة السلام» ارتفعت بشكل حاد.
ولم يتوقف الحلف عند حدود الـ2% التي كانت بالأمس القريب حلماً بعيد المنال؛ ففي قمة تاريخية أطلق الحلفاء «خطة لاهاي للاستثمار الدفاعي»، وهي التزام استراتيجي بالوصول بالإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
وهذه الخطة ليست مجرد شراء للسلاح، بل هي إعادة هيكلة كاملة لاقتصادات الدول الأعضاء لتخدم الأمن القومي، حيث تم تقسيم هذه الميزانية الطموحة إلى محورين، أولهما هو 3٫5% للقدرات القتالية، وتشمل شراء أحدث المقاتلات من الجيل السادس، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي، وتعزيز القوة البحرية، وثانيهما 1٫5% للصمود والابتكار، وهذا هو التحول الأبرز، حيث سيتم توجيه هذه المليارات لحماية البنية التحتية المدنية، وتأمين سلاسل التوريد، وتمويل الأبحاث في التكنولوجيات الناشئة التي ستغير وجه الحروب القادمة.
وأدرك الحلف، في عام 2025، أن امتلاك المال لا يكفي إذا كانت المصانع بطيئة، ليطلق خطة عمل الإنتاج الدفاعي، للانتقال إلى مرحلة الإنتاج الموسع والمشترك للأسلحة، بدلاً من مجرد سد الفجوات في المخازن المستنزفة بسبب الحرب في أوكرانيا.
وشهد عام 2025، بحسب تقرير «الناتو»، توقيع عقود شراء مجمعة بمليارات الدولارات لصواريخ باتريوت وذخائر المدفعية من عيار 155 ملم، مما سمح بخفض التكاليف وتسريع التوريد، والهدف هو تحويل المصانع العسكرية في أوروبا وأمريكا الشمالية إلى «خلية نحل» قادرة على مواكبة وتيرة الحروب الحديثة طويلة الأمد.
اللافت في ميزانية 2025 هو القفزة الكبيرة في مخصصات البحث والتطوير، فلم يعد الحلف يكتفي بشراء الدبابات، بل ضخ استثمارات ضخمة في صندوق الناتو للابتكار، وهو أول صندوق رأس مال استثماري سيادي متعدد الجنسيات في العالم، وهذا الصندوق بدأ بالفعل في تمويل شركات التكنولوجيا الناشئة التي تعمل على حلول مبتكرة في مجالات الطاقة النظيفة للجيوش، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، مما يضمن بقاء الحلف متفوقاً بخطوة تكنولوجية كاملة على أي خصم محتمل.
وحسب التقرير؛ فإن الإنفاق العسكري لم يعد يُنظر إليه كـعبء على الموازنة، بل كتأمين ضروري لحماية الازدهار الاقتصادي، فبدون أمن الطاقة، وأمن الكابلات البحرية، وأمن المجال الجوي، لا يمكن للاقتصادات أن تنمو، ليختار الحلف دفع «ثمن الردع» اليوم، لتجنب دفع «ثمن الحرب» غداً.
لكن مواجهة كل تلك التحديات تتطلب تعاوناً دفاعياً واسع النطاق، ففي عالم اليوم لم تعد الجغرافيا عائقاً أمام انتقال الأزمات، فشرارة تنطلق في البحر الأحمر قد يتردد صداها في موانئ البلطيق، وهجوم سيبراني من شرق آسيا قد يشل شبكات الكهرباء في أوروبا، ومن هذا المنطلق كشف تقرير الناتو في عام 2025 عن استراتيجية طموحة لتوسيع شراكات الحلف، واضعاً «الجوار الجنوبي» ومنطقة «المحيطين الهندي والهادئ» في قلب الأجندة الأمنية العالمية.
وينظر حلف الشمال الأطلنطي إلى دول الجوار الجنوبي، وهي دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باعتبارها العمق الاستراتيجي للحلف؛ ففي عام 2025، خطا «الناتو» خطوات ملموسة لتعزيز هذا الارتباط، ليشير التقرير بوضوح إلى تفعيل «خطة عمل الجوار الجنوبي» التي تهدف إلى بناء قدرات الشركاء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمواجهة التحديات المشتركة.
وبرزت مصر كشريك محوري في «الحوار المتوسطي»، حيث ركز التعاون على ملفات مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، والاستعداد للأزمات المدنية، ليؤكد التقرير أن الحلف لا يسعى لفرض حلول، بل لبناء شراكات «قائمة على الطلب»، وهو ما تجسَّد في افتتاح مكتب اتصال الناتو في عمان بالأردن، ليكون مركزاً جديداً لتعزيز الفهم المتبادل وتنسيق الجهود ضد التهديدات غير التقليدية.
ولأول مرة بهذا الوضوح، يربط التقرير أمن أوروبا بأمن آسيا، فقد شهد عام 2025 تعميقاً غير مسبوق للعلاقة مع «الشركاء الأربعة»، وهم كل من أستراليا، اليابان، كوريا الجنوبية، ونيوزيلندا؛ فلم يعد التعاون بروتوكولياً، بل تحول إلى مشروعات رائدة في مجالات حاسمة، مثل دعم أوكرانيا، حيث قدمت هذه الدول مساعدات عسكرية ولوجيستية حيوية، مؤكدة أن تقويض القانون الدولي في أوروبا يهدد الاستقرار في آسيا أيضاً.
كما تم التعاون مع الشركاء الأربعة في مجال الأمن السيبراني والابتكار، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية حول التهديدات الرقمية القادمة من جهات فاعلة في المنطقة، وكذلك مواجهة التضليل الإعلامي من خلال تنسيق الجهود لكشف حملات التلاعب بالمعلومات التي تهدف لزعزعة استقرار المجتمعات التابعة للحلف.
يؤكد التقرير أن الإرهاب يظل «التهديد غير المتماثل الأكثر خطورة»، ففي عام 2025 قام «الناتو» بتحديث سياساته لمكافحة الإرهاب، مع التركيز على استخدام التكنولوجيا لمنع الهجمات، وأشار التقرير إلى نجاح برامج التدريب التي قدمها الحلف لشركائه في موريتانيا والعراق، وساهمت في تعزيز قدرة القوات المحلية على دحر التنظيمات المتطرفة ومنعها من إعادة ترتيب صفوفها.
وفي تطور لافت، كشف التقرير أن الشراكات في 2025 لم تعد عسكرية بحتة؛ فقد تعاون الحلف مع شركائه في الخليج وشمال أفريقيا لمناقشة أمن الطاقة في ظل التحول الأخضر، وكيفية حماية ممرات التجارة العالمية من التهديدات البيئية أو التخريبية.
لم يعد حلف الشمال الأطلنطي، في عام 2025، بمثابة «جزيرة منعزلة»، بل يسعى لتوسيع الشراكات باعتبارها «مضاعف قوة» للحلف، فمن خلال العمل مع دول مثل مصر في الجنوب، واليابان في الشرق، يبني «الناتو» شبكة أمان عالمية تجعل من الصعب على أي قوة معادية التأثير السلبي على الأمن والاستقرار العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك