في ضوء متغيرات ما بعد الحرب متعددة الأطراف على إيران، تتحدد التحولات الجارية في الشرق الأوسط عبر تفاعل مركب بين ثلاث قوى مركزية: «إيران، وإسرائيل، والولايات المتحدة».
لا تتعلق المسألة بصراع ثنائي، بل بإعادة تشكيل توازن مركب للقوى داخل هذا المثلث، حيث تتداخل القدرات العسكرية، وأدوات الردع غير المباشر، والضغوط الاقتصادية، والدعم الخارجي، في بنية واحدة متشابكة.
غير أن هذا المثلث لا يعمل في فراغ، بل يتفاعل مع طبقات أخرى من الفواعل والعوامل الداخلية والإقليمية التي تعيد تشكيل قواعد اللعبة باستمرار.
منذ عام 1991، مع تثبيت الحضور العسكري الأمريكي المباشر في الخليج، ثم بعد عام 2003 مع إسقاط الدولة العراقية، تشكل إطار أمني قائم على إدارة التوازن عبر وجود قوة ضابطة مركزية.
هذا الإطار أدار حدود الصراع ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة.
غير أن وصف الولايات المتحدة كـ«لاعب منظم» يحتاج إلى تدقيق: فهي ليست حكماً محايداً، بل حليف كامل لإسرائيل، تمارس الضبط فقط عندما تخشى خروج التصعيد على السيطرة، لكنها في اللحظات الحاسمة تميل كفة الدعم المطلق لصالح حليفتها.
اليوم، يعمل هذا الإطار تحت ضغط اختبار جديد.
فالحرب في غزة شكّلت حلقة ضمن صراع أوسع بين إيران وإسرائيل، مع تدخل أمريكي يهدف إلى ضبط السقف.
في هذا السياق، أصبحت المواجهة معادلة يُعاد فيها حساب التوازن عبر ثلاثة مستويات متداخلة: «الردع العسكري المباشر، والردع غير المباشر عبر الوكلاء، والضبط الأمريكي كعامل كبح».
لكن هذه المستويات لا تكتمل دون النظر إلى عاملين حاسمين: المتغيرات الداخلية للدول، والفواعل من غير الدول.
فإيران تواجه تحديات اقتصادية داخلية تؤثر على قدرتها على تمويل وكلائها.
وإسرائيل تعاني انقساماً داخلياً يؤثر على تماسك ردعها.
والفواعل غير الحكومية كحزب الله والحوثيين ليست مجرد أدوات، بل كيانات لها أجنداتها الخاصة، وقادرة على جر الدول إلى مواجهات لا تريدها.
أما الدور الأوروبي، فلا يمكن اختزاله في كونه مجرد «عنصر داعم» لأمريكا.
فلأوروبا، خاصة فرنسا وألمانيا، مصالح قد تختلف مع واشنطن.
الملف النووي الإيراني خير دليل: أوروبا حاولت لعب دور الوسيط والحفاظ على الاتفاق النووي بعد انسحاب أمريكا.
عند التصعيد، قد تسعى أوروبا إلى مبادرة دبلوماسية مستقلة لحماية مصالحها، مما قد يخلق شرخاً في «المنظومة الغربية».
أما العالم العربي، فهو المتغير الأكثر حضوراً وغموضاً.
الدول العربية الكبرى لم تعد مجرد متلقٍ للأمن الأمريكي.
السعودية ومصر ودول الخليج تتحول تدريجياً إلى فاعل مستقل يسعى لإعادة تشكيل التوازنات عبر التطبيع مع إسرائيل، والتنويع الاقتصادي، والتحالفات متعددة الاتجاهات، ومحاولات احتواء النفوذ الإيراني بوسائل دبلوماسية وأمنية.
غير أن الحديث عن «العالم العربي» ككتلة واحدة مضلل؛ فهناك تفاوت جوهري بين دول خليجية تمتلك سيولة مالية تسمح لها بامتصاص الصدمات، ودول مثل مصر والأردن ولبنان تعاني أزمات اقتصادية تجعلها أكثر هشاشة.
ما يحدث في الخليج يمكن وصفه بمحاولة تحويل «الهشاشة» إلى «مرونة استراتيجية» عبر التطبيع والاستثمارات العالمية.
هذه الدول تواجه معضلة استراتيجية: من جهة، هي معنية باستقرار المنطقة وتدفق الطاقة، مما يجعلها حريصة على عدم انزلاق الصراع إلى حرب شاملة.
ومن جهة أخرى، تتحمل تبعات الصراع دون أن تكون طرفاً فاعلاً في قرار الحرب أو السلم.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى العالم العربي كـ«طبقة رابعة» في هذا التوازن المركب، لكنها طبقة غير متجانسة، تتراوح بين الهشاشة والمرونة النسبية.
في ضوء هذه التعقيدات، يمكن تحديد المسارات المستقبلية:أولاً: احتواء متبادل مع إعادة ضبط خطوط الردع.
يتم فيه خفض المواجهة المباشرة مع بقاء كل طرف قادراً على الردع.
قد يتحول هذا إلى «تهدئة مجمدة» تشبه الحرب الباردة، تبقى المنطقة في توتر دائم دون حرب.
يبقى العالم العربي متفاوت التأثير: تحاول الدول الخليجية تحصين نفسها عبر التنمية، بينما تظل الدول الأكثر هشاشة عرضة للتداعيات.
ثانياً: إنهاك تدريجي يعيد تشكيل أدوات النفوذ.
إذا استمرت الجولات التصعيدية، يتحول الصراع إلى استنزاف طويل الأمد ينعكس على البيئة المحيطة وأسواق الطاقة.
تحت هذا الضغط، قد يجد العالم العربي نفسه مضطراً للتدخل بشكل أكثر فاعلية لحماية مصالحه، عبر وساطات أو تحالفات إقليمية جديدة.
كما أن الضغوط الداخلية على إيران وإسرائيل قد تتفاقم.
ثالثاً: إعادة ضبط أوسع للتوازن إذا حدث تحول في ميزان القوة.
في حال أدى التصعيد إلى اختلال ملموس في القدرات أو شبكة الردع، فقد تنتقل المنظومة إلى مرحلة إعادة هندسة القواعد.
قد يصل الأمر إلى «تفكيك مؤقت للنظام الإقليمي» إذا انهارت دولة ما كلبنان أو العراق، مما يخلق فراغاً جديداً.
هنا، قد يجد العالم العربي فرصة تاريخية لإعادة تعريف دوره، أو مخاطر وجودية إذا تحولت المنطقة إلى فوضى مفتوحة.
ما بعد الحرب على إيران لن يكون قطيعة مع الماضي، بل إعادة ضبط لهذا التوازن المركب، حيث تُعاد معايرة حدود القوة وسقف التصعيد لكل طرف داخل معادلة لا تسمح بالكسر الكامل ولا تضمن الاستقرار الدائم.
هذا التوازن الجديد سيتشكل تحت تأثير التفاعل المعقد بين المثلث الكبير، والدور الأوروبي المحتمل، والمتغيرات الداخلية، والفواعل غير الحكومية، والتفاوت العربي.
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: في اليوم التالي، هل سيكون العالم العربي، بتفاوته الداخلي، مجرد مسرح للأحداث، أم ستنجح بعض دوله في تحويل ثقلها إلى نفوذ استراتيجي حقيقي، لتصبح مهندساً فاعلاً في إعادة تشكيل هذا التوازن؟ الإجابة مرهونة بقدرتها على تجاوز الانقسامات، وبناء موقف منسق، وتحويل مشاريعها التنموية إلى أدوات نفوذ، وإدارة علاقاتها مع القوى الكبرى بتوازن يحول ثقلها إلى معيار في المعادلة الإقليمية، لا إلى مجرد رهينة لها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك