هذه رواية جديدة في موضوعها، وبديعة في بنائها الفني.
تأتي اللغة مختلفة متنوعة، مُحمَّلة بمشاعر الأبطال، تراها وأنت تقرأ، رغم أن الحاكي هو المؤلفة بضمير الغائب.
كذلك تأتي أحيانا بضمير المتكلم، وإن قليلا.
الرواية صادرة هذا العام 2026 عن الدار المصرية اللبنانية وعنوانها» دراما كوين».
«دراما كوين» الذي جعلته الكاتبة عنوان روايتها، يعني بالعربية «ملكة الدراما»، ويلخص الشخص الذي يبالغ في ردود أفعاله، ويجعل من المشكلات البسيطة شيئا كبيرا مؤثرا، يكون لها أثر عكسي كبير على المشاعر، لكن هنا في الرواية تجد أسبابا مقنعة لآلام كل الشخصيات، والحياة حافلة بالمواقف الدرامية التي تصل إلى نقطة فاصلة وهي العلاج.
كيف سيكون العلاج؟ هذا جديد مبهر بالمعرفة التي تصل إلى حد المعايشة.
اختارت الكاتبة أن يكون العنوان مُعرَّبا من الإنكليزية، وكذلك عناوين كل الفصول.
تجدها بالإنكليزية وبتعريبها لا ترجمتها.
وتحته معربا» براس مونكي» وليس مترجما بالقرد المختال.
الفصل الثاني تجد العنوان:وتحته معربا «باترفلاي» وليس الفراشة.
وتحته معربا «دراما كوين».
وليس ملكة الدراما.
«باليرينا» وليس راقصة بالية.
وهكذا كل الفصول.
قد تتساءل لماذا تفعل الكاتبة ذلك؟ حين تقرأ تعرف السبب، فالكاتبة تأخذك إلى الحياة وسط شخصياتها في استوديو مخصص لرقصة «الپول» (الرقص على العامود) بكل أنواعه تخلصا من الأحزان.
وكأنها تقول لك كن معنا فستنسى نفسك، ولا تقرأنا كغرباء على ورق.
العامود الذي قد يترك كدمات على أجسادهن لكن يغير الرقص حوله حياتهن.
أعرف الكاتبة نهلة كرم.
قرأت لها من قبل أكثر من عمل رائع.
هي بحق مغامرة جريئة في ما تكتب شكلا وموضوعا، وهنا تدخل عالما جديدا ساحرا.
من أعمالها روايات مثل «خدعة الفلامنكو»، التي وصلت إلى القائمة الطويلة في جائزة البوكر العربية، و» المقاعد الخلفية» التي فازت بجائزة ساويرس.
ومن مجموعاتها القصصية «أن تكون معلقا في الفضاء» و»الموت يريد أن أقبل اعتذاره».
هنا تلتقي شخصيات الرواية وهن ست فتيات رئيسيات مع غيرهن طبعا، في استوديو لتعليم رياضة «الپول» ولكل منهن جرح نفسي أو بدني، ويصبح العامود الصامت الذي يقمن بالرقص حوله هو العلاج.
تحكي الكاتبة حكاية كل منهن، التي يطول الوقوف عندها، بمفردات تجسد كل فعل وحدث في حياتهن، قبل رحلة العلاج وبعدها.
لن أستطيع أن أقف ملخصا كل التفاصيل قبل وبعد استوديو العلاج.
سأمر بسرعة وأمسك بجوهر الألم، وأترك لك الحياة مع الرواية.
حكاياتهن منذ الطفولة والتجارب القاسية التي تركت جروحا في أرواحهن، حتى أنهن لا ينسين كلمات بعينها، في اللوم أو غيره من التجريس، فضلا عن الأحداث.
الأولي «غادة» التي عاشت مع أسرتها في حي فقير لا تذكر الكاتبة اسمه، لكني عرفت من السرد أنه حي بولاق الدكرور، بما كان فيه من عشوائيات في زمن الرواية.
أبوها يبيع الأدوية في صيدلية ولا يعتبره الناس طبيبا، ووصلت بتعليمها إلى كلية الطب، وعانت من مرض الذئبة الحمراء، ثم تغيير إحدى الكليتين، وأختها «يُمنى» التحقت بكلية الإعلام.
حلم أمها الذي لا يتحقق عن «وقف» قديم لهم من الأراضي في المنطقة، فتكون لهم أراض وقصور، وما يتحقق هو مرض غادة وموت أبيها حزنا عليها.
حديث عن مظاهر الحياة المرعبة في الحي، تجعلك تراه وتتوقع أثره، ومنها حكايات «التوك توك» الذي تركبه مع أختها وعن السائقين والمخدرات وغيره.
في النهاية تجد غادة في ستوديو «الپول» ملاذا وترقص، وتحب حركات القرد المختال» براس مونكي» الذي صار عنوان الفصل، والتي تعجز بعض الأخريات عنها.
يأتي الفصل الثاني «باتر فلاي» وكأن الفراشة صارت الأمل.
هنا «شيماء» ومشكلتها مع السمنة التي لا تنتهي.
علاقتها بالطعام مع أختها «خلود» وغيرها ممن لم يعانين من السمنة، رغم أنهن يأكلن أكثر منها.
مفردات الطعام وأنواعه تملأ فضاء الحكي بالأحداث.
مدرس الرياضيات وهي تلميذة وكيف كان يسميها «تختخ» ومحاولات فاشلة لإيقافه عن ذلك.
طموحها أن تشتري سلسلة على شكل فراشة، كأنها ستطير بها لكنها سمينة، وولعها بالحُلى التي تفوز بها أختها النحيلة.
صارت هي البنت «التخينة» في نظر الجميع، التي فشلت في العلاج الطبي للسمنة، أو تنظيم الطعام.
تجربتها في العمل في موقع لتصميم الحلي وميلها لزميل صار يسرق تصميماتها، أو أفكارها وينسبها لنفسه، ثم اتهمها هي بالسرقة، وغير ذلك من أحداث حتى انتهت إلى «ستوديو الپول».
يأتي الفصل الثالث.
بعنوان الرواية «دراما كوين».
تأتي قفزة كبرى من الغرائب مع «ليلى»، فأمها تصف زوجة أبيها التي خطفت منها الأب وعاشا بعيدا عنها، بالعاهرة.
تكرار السب والوصف جعل ليلى تحاول أن تعرف مبكرا معنى عاهرة، فأوقعها الحظ في علاقات كلها مع رجال متزوجين انتهت بالتخلي عنها فكان الاستوديو نفسه هو الملاذ.
فصل شديد الجرأة.
والجرأة حاضرة في كل الفصول، فالكاتبة تبدو دائما طفلة تتحدث بعفوية وصراحة، من دون رقابة من أحد.
نأتي إلى الفصل الرابع المعنون بباليرينا المخصص لفريدة التي تظهر عادة في نهاية الفصول كأنها تفسر ما سبق، أو تضيف الغائب عنه، وكيف تراها الفتيات وهي المدربة، لا تشعر مثلهن بالألم، بينما الألم رافقها وهي طفلة.
الطفولة حاضرة بقوة في كل الفصول، فهي أكبر مصدر لكدمات الروح التي لا تفارق الشخصيات.
كانوا دائما يقولون لفريدة» مبتحسيش» أي «لا تشعرين» فحفرت الكلمة ثقوبا في قلبها، وصارت تشعر بآلام الآخرين، من دون أن ينطقوا بها، وتتقوقع على نفسها.
حكاية فيلم جاء شاب اسمه يوسف لعمله عن الاستوديو، وأسئلته لها ومنها حركاتها، فلا تقول «دراما كوين» بما فيها من معنى المبالغة، بل تقول» باليرينا» لتخفي الألم أو لترقص في الفضاء.
لا تتطور العلاقة معه ويصارحها بذلك.
هكذا في كل قصص الحب في الرواية.
لننتقل إلى الفصل الخامس الذي عنوانه «هالو بويز» عن «ريم».
تعود الجرأة أكبر مما تتوقع مع كلمة» افتحي رِجلك» التي تصرخ بها فريدة للفتيات/ فتأتي ذكرى ريم بزواجها وانتهائه بكلمة افتحي رجلك، وكيف كان يراها زوجها، وكلماته القاسية وضربه لها حتى ضربته وفضحته أمام ضابط البوليس فهو شبه عاجز جنسيا.
تفاصيل جريئة عن العلاقة الجنسية.
تعود «فريدة» بتوسع تحكي حكاياتها مع زميلاتها في المدرسة، وقرصاتهن لها وغضب أمها، وكيف أخبرتها أمها أنها تكتب روايات.
احتجاج أمها على الروايات الفائزة بالجوائز فتراها عديمة القيمة.
تكتشف فريدة بعد رحيل أمها من إيميلاتها، أنها تقدمت لأكثر من جائزة عن الأعمال غير المنشورة، ولم تظهر حتى في القوائم الطويلة، والرد الوحيد الذي جاءها من ناشر عن رواية، يمكن نشرها لكن بعد إعادة صياغتها، كانت عنها هي فريدة، ويتجسد الحزن على أمها في روحها.
يأتي الفصل الأخير بعنوان «سويسايد سبين» عن التلاعب شبه الانتحاري في الحركات الصعبة حول العامود.
تظهر فيه شخصية «حلا» وعلاقتها بالآخرين وكيف صار الاستوديو لها، ثم تركته لفريدة التي افتتحت به ألعابا للأطفال.
كيف تم ذلك والألم الذي كان وراء حضورها للمكان.
كالعادة شرح اللعبة الانتحارية أو شبه الانتحارية حول العامود.
تمتلئ الرواية بمفردات كل الألعاب حول العامود ومعانيها وتجسيدها، مما يأتي بشكل عفوي من خلال الأحداث والحوارات التلقائية.
يكون أسهل ما تحصل عليه هو المعرفة بالأمر، لكنك تكون قد قطعت رحلة شديدة التأثير مع عذاب النساء ومحاولة الخروج من أسوار الحياة التي أقامتها حول أرواحهن، ويتم ذلك من دون خطاب ولا حديث مباشر، لكن ببراعة جميلة من الكاتبة نهلة كرم.
رواية تقتحم عالما مجهولا يضيف إلى عوالم الرواية، استمتعت بها غاية المتعة، حتى إني فكرت في زيارة الاستوديو للقاء شخصياته، لكن أدركت أنهم في الخيال الذي قدمته الكاتبة ببراعة أجمل، ولن أعرف منهم ما عرفته من الرواية بمتعتها الفائقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك