في روايتها «جريمة في بيت الرب» تقدم الكاتبة المصرية شاهيناز الفقي خطابا سرديا مغايرا لحادثة تاريخية مصرية قديمة، مستندة في ذلك إلى رؤى عقلية ومنطقية، لتأسيس قراءة ناقدة تحرّف المستقر، ولا تكفّ عن طرح الأسئلة التي تقوّض بنياته.
وفي خطابها المغاير تشتغل على نسج سردية للمظلومين الذين ظلّت صورتهم في المؤسس التاريخي المتّفق عليه مشوبة بالقلق ومملوءة بالنظرة السلبية استنادا إلى السردية التي تمّ التأصيل لقداستها.
يتحوّل الخطاب السردي في أجزاء من النص إلى خطاب لا يرتبط فقط بنزع التقديس، وإنما بالانتصار لكل مظلوم تعرّض للظلم بشكل أو بآخر، وكأن هذا المنطق في زحزحة التاريخي، وتحويله إلى كتابة خطابية أيديولوجية منطق وثيق الصلة بوجهة النظر والرؤية.
تتأسس الرؤية الجديدة على أسانيد علمية.
منها تعدد العوالم المتوازية سواء بالتتابع أو التجاور من خلال انتقال الشخصية في الزمن ذاته من عالم معاصر إلى عالم سابق موغل في القدم، مع تحولات في الهوية مع كل لحظة تاريخية.
يؤثر هذا التوجّه على الرواية، ويجعلها وثيقة الارتباط بفكرة الزمن الأبدي، فالعوالم المتوازية تتيح التقدّم إلى المستقبل والعودة إلى الماضي، وفيهما تتمّ مناوشة التاريخ القديم، وكشف عوراته وفجواته وأحكامه الجائرة بحق المظلومين، ومراجعة الصور والإطارات التي وضعت لها وحبستها داخل هذا الحيّز، ومن ثم يشعر القارئ المتأمل بزلزلة ثباتها، وبالقدرة على نسج خطاب سردي مواز يباين السردية المستقرة على امتداد العصور والأزمنة.
في هذه الرواية نعاين عددا من المناحي الفكرية ترتبط بالعوالم المتوازية من جانب، وبفكرة المراجعة وإعادة النظر الخاصة بالتاريخ، سواء أكان تاريخا موغلا في القدم أو تاريخا قريبا.
فالتاريخ في هذا النص الروائي يمثل وجهة نظر أو توجها أيديولوجيا، ومن ثم فليس هناك – إذا تمت الموافقة على وجود حقيقة – حقيقة واحدة، بل حقائق أو رؤى، وكلّها أيديولوجية ذاتية.
الرواية تنزع القداسة عن الخطاب التاريخي المتفق عليه، وتعيد بناء وتأسيس فرضيتها انطلاقا من قناعات و أيديولوجيات، مستندة في تأسيس ذلك إلى حقائق وبراهين لها مشروعيتها، تجعلها تقف على بساط متساو مع الخطاب التاريخي المتفق عليه، أو الأكثر هيمنة وشيوعا.
الرواية- بالرغم من استنادها إلى أفكار معرفية مثل أبدية الزمن والعوالم المتوازية- لا تنفض يديها من الإشارة ولو من طرف خفي إلى السياقات الحضارية المحيطة، والإلحاح على المغايرة بين عالمي الأمس واليوم من خلال عرض القسيمين.
وفي ذلك نراها موحية بمدارات التحوّل بين زمنين، راصدة الضعف أو الوهن اللذين يلحقان بالشخصية المصرية بشكل تدريجي، والانهيارات المفزعة الكاشفة عن التدخلات الخارجية التي تمثل الباب الواسع لحالة الضعف في العصور الفرعونية القديمة، بداية من حكم رمسيس الرابع، وانتهاء عصر الملوك الأقوياء بهذه الأسرة.
وإذا كان الاشتغال على المتغيرات التي تلحق بالشخصية المصرية يمثل توجها مهما، فإنها- في الوقت ذاته- تتوقف عند أسس صلبة متماسكة، مشيرة إلى استمرارها في التواجد قديما وحديثا، وكأنها تلمح إلى أسس تشكل في التحليل الأخير ملامح هوية ثابتة، قد تختفي أو يقلّ وميضها تحت تأثير هيمنة الزائل وخداعه، لكنها تطلّ مستعيدة عافيتها في اللحظات الحرجة المفصلية، لكنس وتقويض اللحظي أو العابر الذي يظلّ بالرغم من الوجود والاستمرار لفترات طويلة هشّا يمكن القضاء عليه.
تستند الرواية لتشكيل أبدية الزمن على ظواهر علمية لربط عالمي الماضي (نهاية حكم رمسيس الثالث، وبداية فترة حكم رمسيس الرابع)، والحاضر (من الثورة المصرية وما تلاها من أحداث)، بداية من ظاهرة (الديجافو) التي تقع للبطل، ومرورا بالتناسخ، وانتهاء بالعوالم المتوازية.
تأتي ظاهرة الديجافو- الشعور بالمرور بالتجربة أو الحادثة في زمن ماض أثناء معايشتها حاضرا- جزئية غير ممتدة، ويأتي التناسخ قائما على فكرة التتابع الزمني انطلاقا من حركة الروح بعد الموت وتحررها.
تتجاوز فكرة العوالم المتوازية ما تقدمه ظاهرة الديجافو، وما يمنحه التناسخ، ففيها يمكن للإنسان- بأشكال وأسباب عديدة- أن يجمع عالمين أو أكثر، ويقيم فيهما بهويتين مختلفتين، مثلها في ذلك مثل الأحلام التي تأتي في كثير من الأحيان كاشفة عن وجود الأشياء الدالة على عوالم رمزية غريبة متوازية.
البداية بظاهرة الديجافو بالنسبة للبطل سنوسي (لم يذكر اسمه إلا في نهاية الرواية) بداية تؤسس للمغاير وابتعاد عن العادية أو المشابهة مع الآخرين.
وقد تعامل النص مع هذه الظاهرة على أنها خروج يمكن البناء عليه للاستمرار داخل أكثر من عالم بشكل فيه نوع من الديمومة بعيدا عن اللحظي والعابر.
تحتاج الفكرة الخاصة بالعوالم المتوازية جزئيات دالة تؤسس لمشروعيتها، وقد كشفت الرواية عن تحبيكات بها الكثير من القصدية لإقناع المتلقي بمشروعيتها، منها انجذاب البطل سنوسي بشخصية عطية أو بوسي التي يراها للمرة الأولى، يقول النص على لسانه: «أشعر أني منجذب نحوها بشكل لم أعهده مع فتاة من قبل»، وفي تبرير هذا الانجذاب غير المبرّر يبني النص تحبيكاته على المشابهة بينها وبين شخصية ميريت في السياق الفرعوني القديم، من خلال إسدال المشابهة في دور كل واحدة منهما.
فالأولى عطية تقوم بدور حيوي في تحقيق البطل لهدفه في خلق نسخة مغايرة للأمير بنتا-أور، وتقديم أدلة البراءة من جريمة المشاركة في قتل الأب الملك رمسيس الثالث.
التشابه أيضا يفرض وجوده بين البطل/ والبطل الظلّ سمير الذي يمرّ بالمراحل ذاتها التي يمرّ بها البطل من الحركة والتوزع بين عالمي الماضي والحاضر، مع اختلاف سبيل كل شخصية منهما، فسمير من خلال أقراص أو حبوب الهلوسة، والآخر من خلال اختراق القوانين الكونية، والتغيير الذي يصيب أجزاء المعادلة، ولهذا يلحّ النص الروائي في جزئيات عديدة على أن البطل لم يتناول قرص الهلوسة، يقول النص «ربما تغيّر أحد أرقام المعادلة في ذلك اليوم الذي ابتلع فيه سمير القرص.
قد لا أحتاج لقرص ينقلني إلى عالم مواز».
هناك في النص الروائي جزئية أخرى تدخل في إطار التحبيك الخاص بمشروعية الفكرة.
فالنص الروائي يلحّ على التعدد، سواء في أسماء الأشخاص أو في وظائفهم، نجد ذلك واضحا مع الشخصية الظل سمير حين يخبر البطل معرّفا نفسه (أنا سمير عامل بناء)، لكنها تترجم عند البطل وفق فاعلية بقايا الذاكرة (أنا سفير عالم فيزياء)، وكذلك مع شخصية عطية حين تخبر البطل بأنها (خبيرة تجميل)، فنراها تترجم في وعي البطل بكونها (خبيرة تعليم).
يأخذ هذا الوجود المتعدد المتوازي شكلا أكثر تحبيكا وقصدية عند الحديث عن والديه، فنراه يتحدث عن والده في حدود وظائف وهويات مختلفة، فمرة مدرس تاريخ، وأخرى صانع أوانٍ فخارية، والأخيرة مسئول عن حفظ مخطوطات، أوجدت سرقة واحدة منها صراعا بينه وبين الوزير، ففصل من عمله دون تحقيق، ومات بعد إيداعه في السجن.
ويستمر النمط ذاته في الحديث عن والدته، ففي واحد من أحاديثه يشير إلى كونها خياطة تحيك الجلابيب من الكستور، ومرة أخرى تعمل خادمة بعد سجن أبيه، وثالثة مهاجرة إلى فرنسا غرقت مع أولادها بالبحر.
في وقوف أخير يستند النص الروائي إلى بعض الاكتشافات العلمية التي ترى أن اقتراب كوكب الزهرة من الأرض- وهي الظاهرة التي تحدث كل 584 سنة- ليس مجرد حدث فلكي، بل يمثل دورة نفسية وعاطفية مشدودة بشكل وثيق إلى الماضي، فتمنح الفرصة لبعض الشخصيات للعودة إلى الماضي، وإعادة المعاينة للعوالم، وتبدأ في تصحيح المسار.
يتجلّى النص الروائي نتيجة لهذا التعدد المتمثل في هوية الشخصيات المتغيرة من عالم إلى عالم، وتغيير المكان من معاصر إلى فرعوني مشدود للمعابد والطقوس القديمة، وتغيير الزمان بين ماض وآني، في إطار من الحركة وفقدان المركزية، فليس هناك حضور مهيمن لواحدة من التقسيمات السابقة.
ولقاء الشخصيات- وخاصة لقاء سنوسي بسمير، ولقاء سنوسي بالفتاة عطية أو بوسي- لقاء يكشف ويفتت هذه الأحادية، وينفي المركزية، في ظلّ وجود حالة من الصراع الدائم بين البطل والشخصية النسوية الهلامية المتخيلة التي تطلّ مناقشة إياه في المنعطفات الكبرى لخطابه، وفي الفجوات التي يؤسس لها خطابه المغاير في مقابل الخطاب المؤسس، وكأن هذه الشخصية النسوية تأتي بوصفها إشارة للخطاب المتفق عليه، فحوارهما يثبت الاختلاف والنزاع.
في بعض الأحيان يقنعها، ويثور ضدها، وفي أحيان أخرى تدلل له عن التناقضات أو الاختلافات في خطابه، لكنها في النهاية تتقبل هذا الخطاب الذي يمنح الأمير البراءة من جريمة قتل والده الملك، أو التآمر ضده.
مراجعة التاريخ والوجودي العينيتبدو فكرة مراجعة التاريخ فكرة جوهرية في النص، وفي بعض الأحيان يخايل القارئ أنها تشكّل الأساس المحوري له والهدف المنشود منه.
وقد يقلّ الاهتمام بهذا الهدف ويتفتت أثره، ويقل لمعان الفكرة بسبب استناد الرواية خاصة في فصول النهاية إلى جزئيات أخرى مشوّقة مثل الصراع بين الحفاظ على التاريخ المصري، ومحاولة اليهود أو بعض رجالهم صناعة تاريخ مزيف يمتد للأسر الفرعونية من خلال أكاذيب سردية وأشياء مادية واهية الدلالة على مشروعية الفكرة.
إن المراجعة الخاصة بالخطاب التاريخي المتفق عليه تمثل منطلقا أساسيا للنص.
ويبدو أن النص الروائي أسس وجودا صلبا لهذا المنطلق من خلال والد البطل، حين يحكي لعطية أو بوسي عن طفولته البائسة، حين يعرض والده على الوزير فكرة إعادة كتابة التاريخ المصري، لأن التاريخ المدوّن به مغالطات عديدة، حتى التاريخ الفرعوني لا يخلو- وفق منطقه- من هذه المغالطات، فاتهمه الوزير بالخلل العقلي، وقرّر فصله نهائيا من العمل.
تظلّ هذه الحادثة مثيرا أساسيا للعمل وللحركة داخل النص الروائي، يفسّر محاولات المراجعة للخطاب التاريخي في تآلف مع منحى سردي يرتبط برفع الظلم عن المظلومين الذين ظلت صورتهم أسيرة إطار ثابت لا يتزحزح.
فالرواية من خلال وجهة النظر الجديدة تحاول أن تعيد الاشتغال على السردية القديمة المستقرة، حتى تتلمس خيوط الظلم في الحكاية الواقعية التي يعاينها البطل في تنقله من عالمه المعاصر الآني إلى العالم الفرعوني القديم، في نسق لا يسلّم بالمستقر الثابت، ولكنه- فوق عدم تسليمه- لا يملّ من إعمال العقل والمساءلة المستمرة لهذا الخطاب، ومن فعل المساءلة يعيد الاشتغال على البردية التي تمثل في ذلك السياق الخطاب التاريخي المقدّس الذي تمّ الاتفاق عليه.
الخطاب المغاير الجديد لا ينساق لسطوة الخطاب المؤسس، ويحرّك موقعية الأمير المتهم من صفّ المتآمرين إلى صف المدافعين عن الملك، وإن كان منطقه لا يخلو من نبرة الشعور بالظلم الواقع على العمّال والفلاحين بسبب الملك وحاشيته والكهنة والحرّاس.
فارتباط الأمير بشخصية ميريت الفتاة المنتمية إلى عامة الشعب له دور في تجلية ونمو البناء والتمدد الروائي نحو الهدف، لأن هذا الارتباط كشف عن السرداب الذي تستخدمه ميريت في اللقاء بالأمير، وهو السرداب نفسه الذي يستخدمه البطل سنوسي/ الغريب في الدخول إلى القصر ومعاينة الثورة ضد الملك، ورؤية المتآمرين القادمين من بلدان بعيدة عن مصر.
يقول النص الروائي على لسان البطل: «في الحقيقة أنني اتكأت في إثبات براءته على المنطق ودراسة سيكولوجية الإنسان المصري، وعلى قراءة التاريخ الذي لا توجد به حادثة واحدة مشابهة عن ابن يقتل أباه».
ويتوازى مع هذا الأمر المستند إلى التاريخ الفرعوني بكامله، رأي الأمير الشرعي الذي أصبح الملك رمسيس الرابع في أخيه بنتا-أور، وإسناد الرأي إليه لا يخلو من قصدية، ويضعه في إطار الشاب الحالم الذي يحب الطبيعة والحيوانات، ويقرأ الأشعار والترانيم، وهذه الصورة تبعده عن عملية القتل، وعن التفكير في التآمر على أبيه.
يكشف الخطاب المقاوم في نهاية النص- لأنه ينطلق من معاينة الحدث وصنعه- عن أشياء صمتت عنها المدوّنة أو البردية التاريخية المتفق على مشروعيتها وقداستها، وهذه جزئية على نحو كبير من الأهمية، لأن هذا الخطاب يحرز تقدما يؤسس لمشروعيته وموثوقيته.
فمآل الملكة (تي) أو نهايتها أمر لم تكشف عنه البردية أو الوثية التاريخية الرسمية، فقد أبانت المعاينة المحايثة لوقوع الفعل عن غرقها في النيل، والتهام التماسيح لجسدها، وكأن تلك النهاية في منطق (ميريت)- لرفضها اقتراح الغريب/ البطل في إنقاذها من الغرق- نوع من التطهير.
وتختم الرواية بفقدان الوثيقة المناوئة التي كتبها بنتا-أور، وسلمها إلى ميريت التي سلمتها بدورها إلى الغريب أثناء هروبه، ويقظته بجانب الهرم الأكبر للعودة إلى العالم الموازي الآني، وكأن في كل تاريخنا المدوّن الرسمي وثيقة مناوئة تجعلنا حتما نعيد التفكير في كل نص، ولا نسلم له عقولنا بسهولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك