كيف يعيد الجيش السوداني توزيع مراكز القوة؟لطالما كان المشهد العسكري السوداني، وخصوصا في لحظات التحول الكبرى، مادة دسمة لكثيرين يرون فيه فرصة لتمرير أجنداتهم، أو لقراءة الأحداث من ثقوب ضيقة لا تكشف سوى ما يريدون رؤيته.
كلما اتخذت القوات المسلحة السودانية خطوة نحو إعادة ترتيب بيتها الداخلي، خرج إلينا طيف عريض من السياسيين والمحللين وأصحاب المنصات، يتحدثون بثقة لا تليق بحجم ما يجهلون.
وبالرغم من ممارسات ارتكبتها القوات المسلحة في حق مواطنيها في مناسبات عديدة، تجعلنا نحتفظ بذاكرة أليمة لا تمحى بسهولة، فإن ذلك لا يبرر تمرير الحديث الفضفاض السطحي، أو الأجندة الخبيثة التي تهدف إلى الفتنة وشق الصف على حساب الوطن.
وللأمانة التي تقتضي الاعتراف، لم أكن أعلم ماهية هذه التغيرات في المناصب وأهميتها ومهامها قبل البدء في كتابة هذا المقال، حتى قمت بعملية بحث واطلاع سريعة لأعرف سياقها الحقيقي.
وبعيدا عن جزئية طموح الجيش لحكم البلاد، وهو مشهد لا يحتاج تفسيرا عميقا؛ لأن كل جيل سوداني تقريبا قد عاشه، فإن هذه التغييرات والتحركات ليست في جوهرها سباقا على تثبيت كراسي الحكم، ولا يصح حصرها في إطار ضيق يصفها بأنها صراع بين ضباط متنافسين.
وجدت باجتهاد بسيط تقاربا وتقاطعا مع رؤيتي، وتبين لي أن هذا الأمر عميق وجوهري وذو ترتيب عسكري بحت، يخص سياسة وتركيبة مؤسسة القوات المسلحة السودانية، وتعديل إستراتيجيتها وفق معطيات ومشاهد يعلمونها بطبيعة موقعهم.
فترتيب بيتهم الداخلي وتحصينه يحملان أهمية قصوى بالنسبة لهم، وليس مقبولا أن تكون هناك أصوات تدعي أنها الصف السياسي الأول بهذا المستوى من السطحية في فهم الأشياء.
العطا ليس مجرد ضابط سياسي الآن، بل أصبح" العقل التنفيذي للحرب" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهو بطبيعته رجل ميداني مخضرم منذ أيامه الأولى في الجيش، قبل أكثر من أربعة عقودالمؤسسة العسكرية السودانية، على امتداد تاريخها، أثبتت مرارا أنها تعرف كيف تدير شؤونها بنفسها.
في خضم الحرب التي اندلعت عام 2023 مع قوات الدعم السريع، وبينما كان الجميع يراهن على تفكك الجيش أو انشغاله بصراعاته الداخلية، ظهر العكس تماما: جيش قادر على الصمود، وقادر في الوقت ذاته على إعادة تشكيل مراكز قواه، دون أن ينهار أو يدخل في دائرة الانقسامات.
القرارات الأخيرة التي اتخذها القائد العام، عبد الفتاح البرهان، بإلغاء منصبي نائب القائد ومساعد القائد، وإعادة توزيع الملفات الكبرى، لم تكن مجرد تغييرات إدارية، بل كانت إعلانا عن ولادة نموذج جديد في إدارة الحرب وقيادة المؤسسة.
لكن، للأسف، قرأها كثيرون بأدواتهم السياسية المحدودة، المحصورة في دائرة مكررة تقوم على تجريم جيش وطنهم؛ فظنوا أن البرهان يريد التخلص من نائبه القوي كباشي، أو أنه يُضعف العطا، أو أنه يهمش جابر.
وهذه قراءة لا تصمد أمام التحليل العميق لطبيعة الشخصيات أنفسها، ولا أمام فهم الحجم الحقيقي لنفوذ المناصب الجديدة.
نحن أمام أربع شخصيات محورية: عبد الفتاح البرهان، شمس الدين كباشي، ياسر العطا، وإبراهيم جابر.
والتغيير الأساسي يقوم على ثلاثة محاور:إلغاء المناصب التقليدية التي كانت تحمل أسماء" نائب القائد" و" مساعد القائد"، وإعادة توزيع الأدوار على أساس وظيفي تخصصي بحت بدلا من التوزيع التراتبي السياسي القديم، ثم إعادة تموضع مراكز النفوذ بين هذا الثلاثي.
وهنا تكمن النقطة الجوهرية التي يغفل عنها كثيرون: الجيش لم يعد يعمل بنموذج" الهرم السياسي" الجامد، بل انتقل بهدوء إلى النموذج" الشبكي الوظيفي"، الأكثر مرونة وقدرة على التكيف مع حرب متعددة الجبهات.
منصب رئاسة هيئة الأركان (العطا)منصب رئاسة هيئة الأركان، الذي أُسند إلى ياسر العطا، ليس ترقية شكلية ولا منصبا شرفيا كما يتوهم البعض.
هذا المنصب هو، في كل جيش حديث، مركز القيادة العملياتية الفعلية للحرب؛ من يتولاه يتحكم في التخطيط الميداني، وتوزيع القوات على الجبهات، وإدارة العمليات اليومية، والتعامل مع المتغيرات السريعة على الأرض.
العطا ليس مجرد ضابط سياسي الآن، بل أصبح" العقل التنفيذي للحرب" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهو بطبيعته رجل ميداني مخضرم منذ أيامه الأولى في الجيش، قبل أكثر من أربعة عقود.
وفي فترة حرجة من الحرب، حين كان البرهان وكباشي تحت الحصار، كان العطا هو من أدار العمليات بفعالية، واستطاع الحفاظ على مواقع إستراتيجية حساسة مثل وادي سيدنا.
هو من حمى الظهر للقيادة، وهو من كان يمسك بخيوط المعركة في أحلك ساعاتها.
إسناد هذا المنصب إليه ليس تكريما، بل هو وضع الرجل في المكان الذي يجيده أكثر من غيره.
منصب البناء والتخطيط الإستراتيجي (كباشي)هذا أكثر المناصب إساءة للفهم على الإطلاق.
للوهلة الأولى قد يبدو" ناعما" أو هامشيا، وبعيدا عن زخم المعركة اليومية، لكن الحقيقة أنه أخطر من العمليات العسكرية المباشرة أحيانا، لأنه يتعامل مع المستقبل لا مع الحاضر.
من يتولاه يضع العقيدة العسكرية للجيش، ويعيد هيكلته من الداخل، ويخطط للتسليح بعيد المدى، ويرسم خريطة إعادة الانتشار الإستراتيجي بعد انتهاء الحرب، ويبني القوة المستقبلية للجيش على مدى خمس أو عشر سنوات قادمة.
كباشي في الأساس هو أستاذ في الإستراتيجية العسكرية داخل المؤسسة، رجل تكوين فكري قبل أن يكون رجل ميدان، ونقله إلى هذا الموقع ليس تهميشا، بل إعادة توظيف له في موقعه الطبيعي الذي يتقنه ويفهمه بعمق.
هو لم يعد" الرقم اثنين السياسي" الذي يظهر في الكادرات، بل أصبح" مهندس الجيش المستقبلي".
والفرق بين الاثنين هائل: الأول قوته في الظهور، والثاني قوته في التأثير طويل المدى.
وإذا كان العطا هو" القوة الحالية"، فإن كباشي هو" القوة المستقبلية".
الحرب مع قوات الدعم السريع لم تترك لهم رفاهية الخلافات الداخلية، بل فرضت عليهم" وحدة مصير" حقيقية.
وحتى لو وجدت اختلافات على الرؤى أو توزيع الأولويات، فإنها تحتوى داخل النظام ولا تصل إلى السطحقيادة العلاقات الدولية (جابر)إبراهيم جابر رجل مختلف تماما في تكوينه، هو عقل اقتصادي دبلوماسي، منفتح على العالم، قادر على الحركة في المساحات المعقدة بين السياسة والعلاقات الدولية.
طوال فترة الحرب، لعب أدوارا محورية خلف الكواليس في إدارة ملفات حساسة، سواء على مستوى التفاوض العسكري، أو التنسيق مع الدول الداعمة، أو إدارة الدعم الخارجي من تسليح واستخبارات واقتصاد.
ومنحه قيادة العلاقات الدولية للجيش لم يكن قرارا إداريا عابرا، بل اعترافا رسميا بدور كان يقوم به فعليا.
في الحروب الحديثة، لم يعد الحسم يحدث داخل الحدود فقط، بل يُحسم جزئيا خارجها أيضا.
ومن يملك ملف العلاقات الدولية يملك مفاتيح التأثير في العمق الخارجي للحرب.
هذا المنصب سيادي بامتياز، وأهميته ترتفع بشكل مطرد كلما طالت الحرب وتعقدت التحالفات الإقليمية.
هكذا، لم يتم إضعاف أي من هؤلاء الجنرالات، بل تم تفكيك مركزية القوة وإعادة توزيعها على محاور متكاملة: محور يدير الحرب (العطا)، ومحور يبني المستقبل (كباشي)، ومحور يدير الخارج ويتولى جزءا من مفاصل الاقتصاد والتفاهمات الدبلوماسية (جابر).
أما المركز، فبقي بيد القائد العام (البرهان)، الذي أصبح نقطة التقاء هذه المحاور لا منافسا لها.
وما فعله البرهان فعليا يمكن تلخيصه في ثلاث خطوات ذكية:أولا، فك" التحالفات الخطرة" بإلغاء المناصب التي تسمح بتجميع النفوذ رأسيا،ثانيا، حول الصراع المحتمل إلى تخصص، فأصبح كل قائد مسؤولا عن مسار لا يتقاطع مع مسار الآخر إلا عند نقطة مركزية واحدة،ثالثا، ثبت نفسه كمحور مركزي لا يلتف عليه: كل هذه المناصب الجديدة تحتاج بالضرورة للرجوع إليه، ولم يعد هناك نائب مباشر يمكن أن يصبح بديلا جاهزا.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا لا نسمع عن صراعات بين هؤلاء؟الحقيقة أن ما يلاحظه المراقب الموضوعي هو تماسك ظاهري وحقيقي في آن واحد، وهذا ليس صدفة؛ فهؤلاء القادة يدركون جيدا أن سقوط أحدهم يعني خطرا مباشرا على الجميع.
الحرب مع قوات الدعم السريع لم تترك لهم رفاهية الخلافات الداخلية، بل فرضت عليهم" وحدة مصير" حقيقية.
وحتى لو وجدت اختلافات على الرؤى أو توزيع الأولويات، فإنها تحتوى داخل النظام ولا تصل إلى السطح.
هنا تظهر العقيدة العسكرية العميقة: " حين يكون الوطن في خطر، لا خلاف".
وهذا ليس شعارا، بل قاعدة حقيقية تحرك سلوك المؤسسة في لحظات الوجود والعدم.
وربما لا يدرك المدنيون والسياسيون طبيعة العلاقة التي تجمع الجيش بقادته، وخصوصا بالبرهان.
منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، حين قُتل الحرس الرئاسي بالكامل وهم يدافعون بشراسة غير محدودة في محيط القيادة العامة، في مواجهة أعداد كبيرة وكثافة نيران مخيفة، كانوا أحد الأسباب الرئيسية في منع سقوط الدولة في تلك اللحظة، وحائط الصد الذي حال دون ذلك.
بل تذكر بعض المصادر أن البرهان حمل سلاحه وقاتل معهم، وأن جميع هؤلاء الأفراد دُفنوا في القيادة العامة، وسيظلون رمزا تاريخيا لما قدموه في ذلك اليوم.
ثم جاءت عملية إخراجه من الحصار، التي وُصفت بأنها معقدة وصعبة، وتخللتها تضحيات أيضا.
منذ ذلك اليوم، والجيش بأكمله يرى في البرهان أكثر من مجرد قائد عسكري.
ومع أن كثيرا من العسكريين قد لا يوافقونه في كل قراراته، فإنهم متماسكون خلفه؛ لأنهم يعرفون أن أي شرخ في القيادة سيكون كارثة على الجميع.
هذه هي روح العقيدة العسكرية التي لا يفهمها من يقرؤون المشهد من خارج المؤسسة.
ما يحدث اليوم يتجاوز بكثير كونه إعادة هيكلة داخلية أو تطويرا إستراتيجيا اختياريا؛ فالجيش يغير طريقة عمله تحت وطأة خطر محدق يهدد وجود البلاد ذاتهاهل ما يحدث يعكس تحولا في" فكر الجيش" نفسه؟ الإجابة: نعم، وهذا ربما يكون أهم جزء في التحليل.
ما يحدث يشير إلى انتقال من النموذج القديم (قيادة مركزية تقليدية، ومناصب شرفية أو سياسية، وبطء في اتخاذ القرار) إلى نموذج حديث قائم على توزيع وظيفي دقيق، وتخصص عسكري إستراتيجي، ومرونة أعلى في إدارة الحرب.
هذا النموذج يفصل بين ثلاث دوائر كبرى: دائرة العمليات (الفعل العسكري المباشر)، ودائرة الإستراتيجية (التخطيط طويل المدى)، ودائرة السياسة الدولية (العلاقات والدعم الخارجي).
وهو نفس النموذج الذي تتبناه الجيوش الحديثة في العالم، وليس مجرد ترتيب مؤقت.
نجاح هذا النموذج عمليا يتوقف على ثلاثة أمور: وضوح الصلاحيات بشكل لا يسمح بالتداخل، وعدم تضارب القرارات الصادرة عن كل محور، واستمرار الثقة بين القادة أنفسهم.
ومن يقرأ التجارب العالمية المشابهة يجد أن هذا النموذج إما أن ينتج أقوى الهياكل العسكرية، أو يتحول إلى فوضى تنافسية إذا انهارت الثقة.
غير أن ما يحدث اليوم يتجاوز بكثير كونه إعادة هيكلة داخلية أو تطويرا إستراتيجيا اختياريا؛ فالجيش يغير طريقة عمله تحت وطأة خطر محدق يهدد وجود البلاد ذاتها.
وهذه مسألة نستعرض جوانبها في جزء تالٍ متمم للمقالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك