الجزيرة نت - لهذا فشلت ألمانيا في الحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن العربي الجديد - رئيس مانشستر سيتي يكشف كواليس رحيل غوارديولا القدس العربي - سلام: الجنوب اللبناني يدفع ثمن كل ساعة تأخير بوقف النار مع إسرائيل التلفزيون العربي - تفاصيله غامضة.. ما قصة المشروع الفاخر المرتبط بصهر ترمب وابنته ويثير القلق في ألبانيا؟ قناة الغد - الهلال الأحمر المصري يستقبل دفعة جديدة من المصابين الفلسطينيين قناة التليفزيون العربي - إلى أي حد يتخذ حزب الله موقف رفض إعلان واشنطن بناء على ثقته بعدم تخلي إيران عنه؟ روسيا اليوم - لافروف: لو مضت واشنطن في مبادرتها السلمية لتوقف القتال في أوكرانيا منذ زمن طويل العربية نت - رسمياً.. ريال مدريد يدفع 15 مليون يورو للتعاقد مع مورينيو الجزيرة نت - انتحار سائق شاحنة بسبب غرامة مرورية يشعل احتجاجات في العراق روسيا اليوم - بوليانسكي محذرا من أن دعم زيلينسكي "قد يؤدي إلى كارثة تفوق تشيرنوبيل"
عامة

التشكيل الفني في رواية " منحدرات سحيقة"

وكالة عمون الإخبارية
1

تُمثِّلُ هذه الروايةُ التجربةَ الروائيةَ الأولى المكتملةَ للكاتبِ علي القيسي، صاحبِ القراءاتِ النقدية، والذي صدر له كتابا: «السهل الممتنع في القراءة النقدية» و«فحوى التأويل». وتنهضُ هذه التجربةُ على خ...

ملخص مرصد
تصدر رواية «منحدرات سحيقة» للكاتب علي القيسي، تجربته الروائية الأولى، التي تتقاطع فيها السيرة الذاتية مع السياق السياسي العربي. تعتمد الرواية تقنية التورية وبناء سردي غير خطي، إذ تتناوب الأحداث بين البعد الذاتي والسياق السياسي، مع التركيز على شخصية «عماد» بوصفها بؤرة سردية. يتجلى العنوان في الوظيفة الرمزية للرواية، إذ يرمز إلى انحدارات نفسية وسياسية متتالية، بدءًا من اغتيال هزاع المجالي وصولاً إلى النكسة والنكبة.
  • رواية «منحدرات سحيقة» هي التجربة الروائية الأولى للكاتب علي القيسي
  • تعتمد الرواية تقنية التورية وبناء سردي غير خطي عبر شخصية «عماد»
  • العنوان يرمز لانحدارات نفسية وسياسية متتالية في الأردن والوطن العربي
من: علي القيسي أين: الأردن والوطن العربي

تُمثِّلُ هذه الروايةُ التجربةَ الروائيةَ الأولى المكتملةَ للكاتبِ علي القيسي، صاحبِ القراءاتِ النقدية، والذي صدر له كتابا: «السهل الممتنع في القراءة النقدية» و«فحوى التأويل».

وتنهضُ هذه التجربةُ على خصوصيةٍ لافتةٍ، إذ يعمدُ الكاتبُ—عبر تقنيّةِ التورية—إلى تشييد خطابٍ سرديٍّ يستبطنُ ملامحَ من سيرته الذاتيّة، متوسّلًا بشخصية «عماد» بوصفها بؤرةً سرديّةً ومحورًا تتقاطعُ عنده الشذراتُ الحكائيّةُ وتتشابك.

ويصدرُ هذا البناءُ عن وعيٍ بوظيفةِ الكتابةِ بوصفها فعلَ بوحٍ وتفريغٍ نفسيٍّ، إذ تتحوّلُ إلى ملاذٍ رمزيٍّ يعيدُ للذاتِ توازنَها في مواجهةِ ضغوطِ التجربةِ الحياتيّة.

وفي الآنِ نفسه، تتجاوزُ الروايةُ حدودَ الذاتيّ لتتداخلَ مع السياقِ السياسيّ العربيّ المأزوم، بحيث تغدو «منحدراتٌ سحيقةٌ» تمثيلًا رمزيًّا لانحداراتٍ متعاقبةٍ تطالُ الفردَ والجماعةَ على حدٍّ سواء.

يعَدُّ عُنْوَانُ «مُنْحَدَرَاتٌ سَحِيقَةٌ» عَتَبَةً نَصِّيَّةً دَالَّةً اسْتَهَلَّ بِهَا القَيْسِيُّ رِوَايَتَهُ، وَهُوَ عُنْوَانٌ يُوحِي بِقَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ القَتَامَةِ وَالسُّودَاوِيَّةِ، وَيُوَجِّهُ أُفُقَ تَوَقُّعِ القَارِئِ نَحْوَ رُؤْيَا مُتَشَائِمَةٍ لِلْحَيَاةِ، عَلَى نَحْوٍ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ مَا تَدْرُسُهُ السيميائيات فِي تَحْلِيلِ العَتَبَاتِ النَّصِّيَّةِ.

فَاخْتِيَارُ لَفْظِ «مُنْحَدَرَاتٍ» بِصِيغَةِ الجَمْعِ لَيْسَ اعْتِبَاطِيًّا، بَلْ يُشِيرُ إِلَى تَعَدُّدِ مَسَارَاتِ التَّرَدِّي وَالانْحِدَارِ، فِي حِينِ يَأْتِي وَصْفُهَا بِـ«السَّحِيقَةِ» لِيُعَمِّقَ دَلَالَةَ الهُوَّةِ وَالانْفِضَاضِ نَحْوَ القَاعِ، فَتَغْدُو الحَيَاةُ—مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِ الكَاتِبِ—سَيْرًا مُتَوَاصِلًا نَحْوَ الانْحِدَارِ، أَقْرَبَ إِلَى الِانْزِلَاقِ نَحْوَ الهَاوِيَةِ.

وَلَا يَبْقَى هَذَا العُنْوَانُ فِي إِطَارِهِ الإِيحَائِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ يَمْتَدُّ وَظِيفِيًّا لِيُجَسِّدَ مَسَارَ الرِّوَايَةِ، إِذْ تَتَنَاوَبُ فِيهَا الأَحْدَاثُ بَيْنَ البُعْدِ الذَّاتِيِّ وَالِانْخِرَاطِ فِي السِّيَاقِ السِّيَاسِيِّ، فَتُحِيلُ «المُنْحَدَرَاتُ» إِلَى مَا مَرَّتْ بِهِ الشُّخُوصُ مِنِ انْكِسَارَاتٍ نَفْسِيَّةٍ، سَوَاءٌ فِي تَجْرِبَةِ عِمَادٍ أَمْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّخُوصِ.

كَمَا تَتَّسِعُ دَلَالَةُ العُنْوَانِ لِتَشْمَلَ السِّيَاقَ التَّارِيخِيَّ وَالسِّيَاسِيَّ، حَيْثُ تُحِيلُ إِلَى مَحَطَّاتٍ مَفْصِلِيَّةٍ فِي تَارِيخِ الأردن وَالوَطَنِ العَرَبِيِّ، ابْتِدَاءً مِنِ اغتيال هزاع المجالي، وَمُرُورًا بِـالنكسة، وَقَبْلَهَا النكبة، وَمَا تَلَاهَا مِنْ أَحْدَاثٍ سِيَاسِيَّةٍ أَلْقَتْ بِظِلَالِهَا عَلَى الوَاقِعِ، مُشَكِّلَةً مَشْهَدًا مَأْزُومًا يَتَوَاشَجُ مَعَ الرُّؤْيَا الَّتِي يُقَدِّمُهَا العُنْوَانُ.

وَمِنْ ثَمَّ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ «مُنْحَدَرَاتٍ سَحِيقَةً» لَيْسَ مُجَرَّدَ عُنْوَانٍ وَاصِفٍ، بَلْ عَتَبَةٌ تَأْوِيلِيَّةٌ تُؤَسِّسُ لِقِرَاءَةِ الرِّوَايَةِ، وَتُكَثِّفُ بُعْدَهَا النَّفْسِيَّ وَالسِّيَاسِيَّ فِي آنٍ مَعًابَدَأَ القَيْسِيُّ رِوَايَتَهُ بِضَمِيرِ المُخَاطَبِ، وَهِيَ صِيغَةٌ نَادِرَةٌ فِي السَّرْدِ الرِّوَائِيِّ، إِذْ يَتَّخِذُ مِنْهَا أَدَاةً لِبِنَاءِ خِطَابٍ دَاخِلِيٍّ يَنْفَذُ إِلَى أَعْمَاقِ الشَّخْصِيَّةِ، وَيُؤَسِّسُ لِبُعْدٍ نَفْسِيٍّ وَتَأَمُّلِيٍّ يَقُومُ عَلَى مُخَاطَبَةِ الذَّاتِ وَمُحَاوَرَتِهَا.

يَقُولُ: «غَرِيبٌ أَنْتَ، نَعَمْ، تَشْعُرُ بِالغُرْبَةِ حَتَّى مَعَ ذَاتِكَ.

مَاذَا تَعْنِي لَكَ مَشَاكِلُ الدُّنْيَا؟ » وَهُنَا يَتَجَلَّى التَّبَئِيرُ الدَّاخِلِيُّ، حَيْثُ يَنْدَمِجُ الصَّوْتُ السَّارِدُ مَعَ وَعْيِ الشَّخْصِيَّةِ، وَفْقَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ جيرار جينيت فِي تَحْلِيلِهِ لِعَلَاقَةِ الصَّوْتِ السَّرْدِيِّ بِمَوْقِعِ الرُّؤْيَا.

ثُمَّ يَنْتَقِلُ السَّرْدُ إِلَى ضَمِيرِ الغَائِبِ، فِي تَحَوُّلٍ دَالٍّ مِنَ التَّمَاهِي الدَّاخِلِيِّ إِلَى المَسَافَةِ السَّرْدِيَّةِ، حَيْثُ يُقَدِّمُ عِمَادًا—بَطَلَ الرِّوَايَةِ—مِنْ خَارِجِهِ، فَيَقُولُ: «كَانَ عِمَادٌ يَسْرَحُ بِفِكْرِهِ وَخَيَالِهِ خَارِجَ النِّظَامِ الشَّمْسِيِّ.

» إِلَى قَوْلِهِ: «رُبَّمَا يُدْرِكُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ أَنَّ هَذِهِ الحَيَاةَ.

».

وَيُمَثِّلُ هَذَا التَّحَوُّلُ انْتِقَالًا مِنْ تَبَئِيرٍ دَاخِلِيٍّ إِلَى تَبَئِيرٍ خَارِجِيٍّ، وَهُوَ مَا يُسْهِمُ فِي تَوْسِيعِ أُفُقِ الرُّؤْيَا السَّرْدِيَّةِ، وَيُخْرِجُ الشَّخْصِيَّةَ مِنْ دَائِرَةِ التَّأَمُّلِ الذَّاتِيِّ إِلَى فَضَاءِ الوَصْفِ المَوْضُوعِيِّ.

وَتَسِيرُ الرِّوَايَةُ—فِيمَا بَعْدُ—وَفْقَ رَاوٍ خَارِجِيٍّ غَيْرِ مُشَارِكٍ (يَقِفُ خَارِجَ الأَحْدَاثِ وَلَا يَنْدَمِجُ فِيهَا، مُسْتَخْدِمًا ضَمِيرَ الغَائِبِ، وَهُوَ النَّمَطُ الغَالِبُ فِي السَّرْدِ الرِّوَائِيِّ، حَيْثُ يَتَوَلَّى وَصْفَ الشُّخُوصِ وَتَقْدِيمَهَا مِنْ زَاوِيَةٍ خَارِجِيَّةٍ تُحَقِّقُ قَدْرًا مِنَ الحِيَادِ وَالمَوْضُوعِيَّةِ.

تُعَدُّ شَخْصِيَّةُ عِمَادٍ الشَّخْصِيَّةَ الرَّئِيسَةَ فِي الرِّوَايَةِ، وَيَبْدُو—فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ—أَنَّهَا تَتَقَاطَعُ مَعَ صَوْتِ الرَّاوِي، حَيْثُ يَقْتَرِبُ السَّرْدُ مِنْ نَمَطِ السِّيرَةِ الذَّاتِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِهَا، بَلْ يَتَجَاوَزُهَا إِلَى تَطْعِيمٍ فَنَتازِيٍّ درامي يَمِيلُ إِلَى التَّخْيِيلِ وَالجُنُوحِ نَحْوَ عَالَمٍ مُتَخَيَّلٍ.

وَهَذَا التَّدَاخُلُ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالتَّخْيِيلِيِّ يُسْهِمُ فِي بِنَاءِ خِطَابٍ سَرْدِيٍّ جَذَّابٍ، تَتَخَذُ فِيهِ الأَحْدَاثُ المُتَوَهَّمَةُ وَسِيلَةً فَنِّيَّةً لِإِثَارَةِ القَارِئِ وَشَدِّهِ، بِحَيْثُ يَسْتَمِرُّ فِي مُتَابَعَةِ الرِّوَايَةِ مِنْ مُبْتَدَئِهَا إِلَى مُنْتَهَاهَا.

وَقَدْ حَضَرَ عِمَادٌ—بِوَصْفِهِ مِحْوَرًا سَرْدِيًّا—فِي مُعْظَمِ أَحْدَاثِ الرِّوَايَةِ، إِذْ شَارَكَ الشُّخُوصَ الثَّانَوِيَّةَ فِي تَشْكِيلِ المَوَاقِفِ وَتَطَوُّرِ الأَحْدَاثِ، ابْتِدَاءً مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ وَالِدِهِ وَمَرَاحِلِ النَّشْأَةِ وَالبِدَايَةِ، مَرُورًا بِعَلَاقَتِهِ بِإِخْوَتِهِ—صَالِحٍ وَسَعِيدٍ—وَأَصْدِقَائِهِ—فَوْزِيٍّ وَكَرِيمٍ—وَغَيْرِهِمْ مِنَ الشُّخُوصِ الَّتِي أَسْهَمَتْ مَعَهُ فِي نَسْجِ أَحْدَاثِ الرِّوَايَةِ وَتَفَاصِيلِهَا.

وَمِنْ ثَمَّ، تَتَكَشَّفُ أَهَمِّيَّةُ عِمَادٍ لَيْسَ بِوَصْفِهِ شَخْصِيَّةً مِحْوَرِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ بِاعْتِبَارِهِ بُؤْرَةً سَرْدِيَّةً تَتَقَاطَعُ عِنْدَهَا الأَصْوَاتُ وَالأَحْدَاثُ، فَيَغْدُو وَسِيطًا بَيْنَ الرَّاوِي وَالعَالَمِ الرِّوَائِيِّ، وَهُوَ مَا يَقْتَرِبُ مِنْ مَفْهُومِ التَّبَئِيرِ الدَّاخِلِيِّ فِي تَصْوِيرِ الأَحْدَاثِكما ذكرنالَا تَنْتَمِي هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِلَى النَّمَطِ التَّقْلِيدِيِّ الَّذِي يَقُومُ عَلَى تَسَلْسُلِ الأَحْدَاثِ وَتَدَرُّجِهَا مِنَ البِدَايَةِ إِلَى العُقْدَةِ ثُمَّ الذِّرْوَةِ فَالحَلِّ، بَلْ تَخْرُجُ عَنْ هَذَا النَّسَقِ لِتُقَدِّمَ بِنَاءً سَرْدِيًّا مُخْتَلِفًا.

إِذْ تَبْدُو الرِّوَايَةُ خَالِيَةً—فِي ظَاهِرِهَا—مِنَ الحُبْكَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ القَائِمَةِ عَلَى تَرَابُطِ الأَحْدَاثِ وَتَسَلْسُلِهَا المَنْطِقِيِّ، حَيْثُ لَا يَأْتِي حَدَثٌ نَتِيجَةً حَتْمِيَّةً لِحَدَثٍ سَابِقٍ، وَإِنَّمَا يَتَشَكَّلُ السَّرْدُ عَلَى هَيْئَةِ بِنْيَةٍ شَذَرِيَّةٍ مُتَفَكِّكَةٍ.

وَتَتَجَلَّى هَذِهِ البِنْيَةُ فِي تَقْدِيمِ مَشَاهِدَ وَتَذْكَارَاتٍ مُتَنَاثِرَةٍ، اسْتَطَاعَ السَّارِدُ أَنْ يَلُمَّهَا مِنْ تَجَارِبِهِ الحَيَاتِيَّةِ، لِتَتَحَوَّلَ إِلَى لَوْحَاتٍ سَرْدِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ نِسْبِيًّا، غَيْرَ أَنَّهَا تَلْتَقِي فِي إِطَارٍ عَامٍّ يُشَكِّلُ مَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ «رِوَايَةً شَذَرِيَّةً».

وَلَا يَعْنِي هَذَا التَّفَكُّكُ غِيَابَ البِنَاءِ، بَلْ يُشِيرُ إِلَى نَمَطٍ حَدَاثِيٍّ فِي السَّرْدِ يَسْتَبْدِلُ الحُبْكَةَ الخَطِّيَّةَ بِتَجْمِيعٍ دَلَالِيٍّ تَرَاكُمِيٍّ، يَعْتَمِدُ عَلَى تَفَاعُلِ المَشَاهِدِ وَتَجَاوُرِهَا لِإِنْتَاجِ المَعْنَى، وَهُوَ مَا يَنْدَرِجُ ضِمْنَ تَصَوُّرَاتِ السرديات الحديثة الَّتِي تَتَجَاوَزُ المِعْيَارَ الكَلَاسِيكِيَّ لِلْحُبْكَةِ.

الرواية الشذريةيَتَّضِحُ أَنَّ الرَّاوِي أَوْلَى المَكَانَ عِنَايَةً خَاصَّةً، إِذْ يَحْضُرُ حُضُورًا فَاعِلًا فِي تَشْكِيلِ البِنْيَةِ السَّرْدِيَّةِ، ابْتِدَاءً مِنَ القَرْيَةِ وَالمَدِينَةِ، وَوُصُولًا إِلَى الفَضَاءِ الأَبْعَدِ المُمَثَّلِ بِبِلَادِ الغُرْبَةِ.

وَتَبْرُزُ مَدِينَةُ عمان بِشَرْقِهَا وَغَرْبِهَا، وَجِبَالِهَا وَسُهُولِهَا، إِلَى جَانِبِ مادبا وَمِنْطِقَةِ أُمِّ العُمَدِ، فِي عَرْضٍ يَمْزُجُ بَيْنَ الوَصْفِ المَكَانِيِّ وَالبُعْدِ الحَيَاتِيِّ، حَيْثُ يَسْتَعْرِضُ السَّارِدُ مَلَامِحَ المُجْتَمَعِ القَرَوِيِّ البَسِيطِ، فِي مُقَابِلِ المُجْتَمَعِ المَدِينِيِّ الَّذِي تَتَشَكَّلُ مَعَالِمُهُ تَدْرِيجِيًّا، لِتَبْلُغَ عَمَّانُ مَا بَلَغَتْهُ مِنْ تَطَوُّرٍ عُمْرَانِيٍّ وَثَقَافِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ.

كَمَا تَحْضُرُ الولايات المتحدة الأمريكية بِوَصْفِهَا فَضَاءً مُغَايِرًا، يُعَمِّقُ إِحْسَاسَ الاغْتِرَابِ، وَيُبْرِزُ فِي المُقَابِلِ مَدَى الِارْتِبَاطِ النَّفْسِيِّ وَالعُضْوِيِّ بِالمَكَانِ الأَصْلِيِّ.

وَيَتَجَلَّى هَذَا الِارْتِبَاطُ فِي حَنِينِ الرَّاوِي إِلَى قَرْيَتِهِ وَبَيْتِهِ الأَوَّلِ، حَيْثُ يُفْصِحُ عَنْ رَغْبَتِهِ فِي العَوْدَةِ إِلَيْهِ، لِمَا يَمْنَحُهُ مِنْ صِفَاءِ الهَوَاءِ وَنَقَاءِ الطَّبِيعَةِ، وَمَا يَحْمِلُهُ ذَلِكَ مِنْ بُعْدٍ عِلَاجِيٍّ مُرْتَبِطٍ بِحَالَتِهِ الصِّحِّيَّةِ، خُصُوصًا إِصَابَتَهُ بِمَرَضِ الربو.

أَمَّا عَلَى مُسْتَوَى الزَّمَنِ، فَلَا يَأْتِي بِنَاؤُهُ كُرُونُولُوجِيًّا خَطِّيًّا، بَلْ يَعْتَمِدُ تَقْنِيَّةَ التَّدَاخُلِ الزَّمَنِيِّ، إِذْ تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ بِمَشْهَدِ مُرَاجَعَةِ عِمَادٍ لِعِيَادَةِ الطَّبِيبِ النَّفْسِيِّ، ثُمَّ تَتَرَاوَحُ الأَحْدَاثُ بَيْنَ اسْتِعَادَةِ الطُّفُولَةِ وَمَرَاحِلِ الشَّبَابِ، وَوُصُولًا إِلَى مَرْحَلَةِ الشَّيْخُوخَةِ.

وَتُمَثِّلُ هَذِهِ المُرَاوَحَةُ بَيْنَ الأَزْمِنَةِ تَقْنِيَّةً سَرْدِيَّةً حَدِيثَةً، تَنْدَرِجُ ضِمْنَ مَفْهُومِ اللَّاخَطِّيَّةِ الزَّمَنِيَّةِ فِي السرديات، حَيْثُ لَا يَخْضَعُ الزَّمَنُ لِتَسَلْسُلٍ مَنْطِقِيٍّ، بَلْ لِتَدَفُّقِ الذَّاكِرَةِ وَوَعْيِ الشَّخْصِيَّةِوَظَّفَ القَيْسِيُّ الحِوَارَ تَوْظِيفًا فَنِّيًّا نَاجِحًا، إِذْ جَاءَ مُنْسَجِمًا مَعَ تَطَوُّرِ الحَدَثِ، وَمُسْهِمًا فِي الكَشْفِ عَنْ كَوَامِنِ الشُّخُوصِ وَمَا يَجُولُ فِي دَوَاخِلِهَا، فَلَمْ يَكُنْ عُنْصُرًا تَزْيِينِيًّا، بَلْ أَدَاةً فَاعِلَةً فِي بِنَاءِ الدِّرَامَا السَّرْدِيَّةِ.

أَمَّا اللُّغَةُ، فَقَدْ جَاءَتْ لُغَةً سَهْلَةً بَسِيطَةً، تَقْتَرِبُ مِنَ التَّقْرِيرِيَّةِ، وَتَكَادُ تَخْلُو مِنَ الِانْزِيَاحَاتِ البَلَاغِيَّةِ وَالتَّكْثِيفِ الشِّعْرِيِّ، حَيْثُ تَرَاجَعَ الحُضُورُ الشَّاعِرِيُّ لِصَالِحِ لُغَةٍ وَاضِحَةٍ مُبَاشِرَةٍ.

وَيُعْزَى ذَلِكَ إِلَى هَيْمَنَةِ البُعْدِ العَقْلِيِّ عَلَى البِنَاءِ الدِّرَامِيِّ لِلأَحْدَاثِ، إِذْ يَمِيلُ السَّرْدُ إِلَى التَّفْسِيرِ وَالعَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ مَيْلِهِ إِلَى التَّصْوِيرِ وَالإِيحَاءِ، وَهُوَ مَا يَنْدَرِجُ ضِمْنَ خِيَارٍ أُسْلُوبِيٍّ يَخْدِمُ طَبِيعَةَ التَّجْرِبَةِ الرِّوَائِيَّةِ.

وَمِنْ ثَمَّ، تَتَكَشَّفُ لُغَةُ الرِّوَايَةِ عَنْ تَوَجُّهٍ وَاقِعِيٍّ، يَسْعَى إِلَى نَقْلِ التَّجْرِبَةِ بِوُضُوحٍ وَمُبَاشَرَةٍ، دُونَ الِانْشِغَالِ بِالزِّينَةِ البَلَاغِيَّةِ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ قِرَاءَتُهُ فِي ضَوْءِ الأسلوبية الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ الخِيَارِ اللُّغَوِيِّ وَطَبِيعَةِ الرُّؤْيَا السَّرْدِيَّةِ.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك