الرباط – «القدس العربي»: بين جولة جديدة من «الحوار الاجتماعي» المرتقبة في 17 نيسان/أبريل الجاري، التي ستجمع الحكومة بالنقابات الأكثر تمثيلية و»الاتحاد العام لمقاولات المغرب» (هيئة تمثل أرباب الشركات الكبرى)، وبين «عيد العمال الأممي» في فاتح أيار/مايو، باعتباره المناسبة الأكثر استحضارا لمطالب الشغيلة، يجد الفريق الحكومي برئاسة عزيز أخنوش نفسه محط ترقب من طرف النقابيين وعموم الطبقة العاملة، للإجابة عن أسئلة مقلقة والحسم في ملفات تصفها المركزيات النقابية بـ «العالقة» أو «المؤجلة».
وجاءت جولة «الحوار الاجتماعي» لهذه السنة بالتزامن مع عيد العمال، في ظرفية تتسم باحتدام التوتر بين الحكومة والنقابات، خاصة بشأن ملفات أساسية، من قبيل الزيادة في الأجور، إضافة إلى قضايا كبرى مثل قانون الإضراب وإصلاح أنظمة التقاعد.
ومن ثم يتساءل مراقبون: هل تحسم الحكومة، فيما تبقى من ولايتها، هذه النقاط الخلافية؟ وهل تستجيب لمطالب العمال، خاصة تلك المرتبطة مباشرة بالمعيش اليومي؟في قراءته للوضع الاجتماعي والاقتصادي للعمال والأجراء في المغرب مع بداية سنة 2026، رسم محمد حطاطي، نائب الكاتب العام (الأمين العام) لنقابة «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل»، صورة مقلقة حيث اعتبر أن هذا الواقع لا يختلف حوله اثنان، مؤكدا أن «الوضعية الحالية للعمال والأجراء في المغرب جد مزرية»، وهو توصيف قال إنه تدعمه تقارير رسمية وأخرى دولية.
وأضاف حطاطي في حديثه لـ «القدس العربي»، أن هذا التدهور طرح تساؤلات حول أسبابه، خاصة في ظل الارتفاع المستمر للأسعار وغلاء المعيشة، وهو ما أرهق الأسر المغربية بشكل متزايد.
وأوضح أن هذا الضغط الاجتماعي تفاقم مع اختلالات عميقة في الخدمات العمومية، متسائلا ضمنيا عن واقع القطاع الصحي، ليؤكد أن «صعوبة الولوج للمستشفيات العمومية وضعف الخدمات الصحية العمومية يزيد الطين بلة لأنه يجبر المواطن على التوجه للقطاع الخاص».
واعتبر أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل امتد إلى ممارسات داخل عدد من القطاعات الإنتاجية، حيث وقع، بحسبه، خرق القانون عبر منح أجور هزيلة تمس بالكرامة الإنسانية، فضلا عن انتشار حالات عدم التصريح بالعمال في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وعلى مشارف الجولة الجديدة من «الحوار الاجتماعي» بين الحكومة والنقابات وممثلي أرباب الشركات الكبرى، برز سؤال حول أهم المطالب العمالية التي ترفعها «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل»، خاصة في سياق دولي متوتر انعكس بدوره على الاقتصاد الوطني.
وهنا أشار حطاطي إلى تأثير الأزمات الدولية، من الحروب إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وما نتج عنها من ارتفاع في أسعار المحروقات والمواد الأساسية، وقال: «مطلبنا الأول والأساسي والمنطقي هو تحسين الدخل بالرفع من الأجور ومعاشات المتقاعدين وتخفيف العبء الضريبي».
ولم تنفصل هذه المطالب عن إشكالية أعمق تتعلق بثقة النقابات في الحوار الاجتماعي، حيث حضر سؤال مدى التزام الحكومة بتعهداتها السابقة، فأكد أن تنفيذ الالتزامات، خصوصا ما تبقى من اتفاق 30 نيسان/أبريل 2022، ظل مطلبا أساسيا، محذرا من أن عدم الوفاء بها يفقد الحوار جدواه، مشيرا إلى أن «على الحكومة لحد الساعة ديْن يجب الوفاء به».
وفي هذا الإطار، برزت قضية الحريات النقابية كأولوية قصوى، إذ شدد المتحدث على أن «الكونفدرالية تضع دوما الحريات النقابية على رأس مطالبها»، في ظل ما اعتبره خروقات متعددة تشمل رفض التصريح بتأسيس مكاتب نقابية، وطرد العمال بسبب انتمائهم النقابي، إلى جانب تعطيل الحوارات القطاعية.
وردا على سؤال حول كيفية حفاظ النقابة على استقلاليتها في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية، أجاب حطاطي قائلا: «أحد مصادر قوة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل هو استقلالية قراراتها وعدم الخضوع لاي جهة كيفما كانت»، واستحضر محطات تاريخية صعبة شكلت اختبارا حقيقيا لهذه الاستقلالية.
وبالحديث عن الحوار الاجتماعي في المغرب، خاصة مع اقتراب جولة نيسان/أبريل، استحضر حطاطي السياق التاريخي لهذا المسار، موضحا أن «القبول بالجلوس لطاولة الحوار الاجتماعي لم يكن سهلا بالمغرب»، وأن هذا المسار ظل، عبر سنوات، غير مُمَأْسَس بشكل فعلي، حيث بقي خاضعا لتقديرات الحكومات المتعاقبة.
وبخصوص مدى جدية الحكومة في التعاطي مع مطالب الشغيلة، رأى القيادي النقابي أن الإشكال لم يكمن فقط في عقد الجولات، بل في احترام دوريتها وتنفيذ مخرجاتها، مشيرا إلى أن الحكومة لم تلتزم بعقد جولة أيلول/ سبتمبر كما جرى الاتفاق عليه، وأن جولة نيسان/ أبريل لم تنعقد إلا بعد مطالبات متكررة، ما عكس، في نظره، غياب إرادة حقيقية، مؤكدا أن «تجاوب الحكومة من عدمه يبقى خاضعا لرغبتها في تجاوز الاحتقان الاجتماعي من عدمه».
كما توقف عند مسألة تمرير القوانين ذات الطابع الاجتماعي دون إشراك النقابات، وهو ما طرح سؤالا حول جدوى الحوار نفسه، منتقدا ما اعتبره تنصلا من التزامات سابقة، موضحا أن «الحكومة تنصلت من التزاماتها واعتمدت أغلبيتها البرلمانية من أجل تمرير عدة قوانين»، وهو ما قوّض الثقة وأضعف أسس التفاوض.
وفي هذا السياق، استحضر حطاطي الجدل حول قانون الإضراب، إضافة إلى قوانين أخرى، معتبرا أن تغييب النقابات من النقاش حول هذه القضايا «لن يزيد الوضع الا احتقانا وصعوبة»، لما لذلك من أثر مباشر على العلاقة بين مختلف الأطراف الاجتماعية.
أما بخصوص الملفات التي ستطرحها «الكونفدرالية» في جولة الحوار الاجتماعي المقبلة، فأوضح أن السياق الحالي فرض إعطاء الأولوية لتحسين الدخل، حيث أكد أن «السياق الدولي والوطني اليوم يفرض أن يكون أول مطلب هو تحسين الدخل بالرفع من الأجور والمعاشات وتخفيف العبء الضريبي»، إلى جانب المطالبة بتنفيذ الالتزامات السابقة، والدفاع عن الحريات النقابية، وطرح قضايا الفئات المتضررة وأشكال العمل الهش.
وعند الحديث عن طبيعة العلاقة بين النقابات والحكومة والقطاع الخاص، سألته «القدس العربي» عن ما إذا كانت العلاقة تتسم بالتوافق أم التوتر، فأجاب بأنها ظلّت تاريخيا علاقة صدامية، مبرزا أن «الحكومات المتعاقبة دأبت على تحميل العمال كلفة الأزمات»، كما اتهمها بالانحياز للوبيات الاقتصادية ومنحها امتيازات على حساب الطبقة العاملة.
وبخصوص إشكالية إشراك النقابات في صياغة السياسات العمومية، أكد النقابي أنه رغم الدور الذي تلعبه الحركة النقابية دوليا، فإن الوضع في المغرب مختلف، مشيرا إلى أن «المؤسسات المعنية تتهرب من النقاش الحقيقي»، وهو ما استدعى، حسب رأيه، الاعتراف بالنقابات كشريك فعلي في بلورة السياسات الاجتماعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك