عمان- متابعة الدروس للأبناء ومساعدتهم على فهم ما فاتهم في الغرف الصفية، لا يمكن اعتبارهما أمرا بسيطا لجميع الأهالي، إذ قد يتطلب ذلك جهدا ذهنيا ونفسيا كبيرا لتجاوز ما يصعب عليهم.
اضافة اعلانواليوم، لا تقتصر هذه المتابعة والدراسة على الغرفة الصفية أو الكتاب المدرسي، فمع توسع المحتوى التعليمي على منصة" يوتيوب"، تظهر مبادرات فردية لمعلمين أردنيين يقدمون شروحات مجانية للمواد الدراسية، ما فتح بابا جديدا أمام الأهالي لمتابعة تعليم أبنائهم بطريقة مختلفة وأكثر مرونة.
ويرى البعض أن هذه القنوات لم تعد مجرد وسيلة دعم للطلبة، بل تحولت تدريجيا إلى أداة مساندة للأهل أنفسهم، إذ يجد كثير منهم صعوبة في شرح بعض المواد أو متابعة المناهج الحديثة، خاصة مع اختلاف طرق التدريس عما تعلموه سابقا.
وتوفر هذه القنوات، بما تقدمه من شروحات مصورة، فرصة لفهم الدرس خطوة بخطوة، الأمر الذي يساعد الأهالي على متابعة أبنائهم بثقة أكبر.
وفي إحدى التجارب، تبين والدة طالب في المرحلة الأساسية، أنها كانت تواجه صعوبة في شرح مادة الرياضيات، خصوصا مع تغير أساليب الحل، إذ لم تتمكن من مساعدته، لكن صديقتها نصحتها بمتابعة إحدى المعلمات التي تبث عبر قناة خاصة دروسا وشروحات لكل مادة ولأكثر من فصل دراسي لمساندة الطلبة وذويهم، حتى إنها تقدم مسائل إضافية.
جمال عبدالرحمن الأب لطالبة في المرحلة الثانوية، يوضح أن هذه القنوات ساعدته على متابعة المواد العلمية لابنته، مشيرا إلى أن الشرح المصور أتاح له العودة إلى الدرس أكثر من مرة، وإيقافه عند النقاط الصعبة، ما جعله شريكا فعليا في العملية التعليمية بدل أن يكون متابعا من بعيد.
ومن الناحية الاجتماعية، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي، أن هذه الظاهرة تعكس تحولا في دور الأسرة؛ حيث لم يعد التعليم مسؤولية المدرسة وحدها، أو الأهالي القادرين على التدريس.
ويشير إلى أن توفر المحتوى التعليمي المجاني يعزز مفهوم الشراكة بين المدرسة والأسرة، ويمنح الأهل أدوات عملية للمشاركة في تعليم أبنائهم، خصوصا في ظل التحديات التي يواجهها النظام التعليمي.
من جانبها، توضح المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني، أن وجود مصدر شرح إضافي يخفف الضغط عن العلاقة بين الأهل والأبناء، فبدل أن تتحول عملية الدراسة إلى توتر أو خلاف، يمكن أن تكون تجربة مشتركة قائمة على الفهم.
وتشير إلى أن بعض الطلبة يتقبلون الشرح من خارج إطار الأسرة بشكل أسهل، ما يتسبب بتوازن صحي في التعلم، بحيث تبقى مكملة للدور المدرسي لا بديلا عنه، فالتفاعل المباشر داخل الصف وطرح الأسئلة، والتواصل مع المعلم، تبقى عناصر أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
ووفق الكيلاني، فإن القنوات التعليمية على" يوتيوب" أصبحت جزءا من واقع تعليمي جديد، حيث لم يعد الوصول إلى المعلومة محصورا بمكان أو وقت محدد، وبين شاشة الهاتف وكتاب المدرسة، يجد الطالب والأهل مساحة أوسع للفهم، قد لا تلغي التحديات، لكنها بالتأكيد تخفف منها.
أبو محمد عبدالله مدرس لمادة الكيمياء، يبين أنه أنشأ قناته على" يوتيوب" خلال فترة جائحة كورونا، حين فرضت ظروف التعلم عن بعد واقعا جديدا على الطلبة والمعلمين والأهالي.
ويؤكد أنه في تلك المرحلة وجد كثير من المعلمين أنفسهم أمام تحد حقيقي، إذ كيف يمكن إيصال المعلومة من دون وجود تفاعل مباشر داخل الصف، فتحولت منصات مثل" يوتيوب" إلى خيار عملي وسريع لتسجيل الدروس وشرحها بطريقة يمكن للطالب الرجوع إليها في أي وقت.
ويكمل أن تلك الفترة كانت نقطة التحول، فيقول" لم يكن لدينا خيار آخر، فبدأنا نصور الشروحات ونرفعها للطلبة، ومع الوقت لاحظنا أن الفائدة أكبر مما توقعنا".
إحدى المعلمات تشير إلى أن التجربة كشفت حاجة حقيقية لدى الطلبة لإعادة الدرس أكثر من مرة، خصوصا في المواد التي تتطلب فهما تدريجيا.
ومع انتهاء مرحلة التعليم عن بعد، لم تتوقف هذه المبادرات، بل استمرت وتطورت، وكثير من المعلمين أدركوا أن المحتوى الرقمي ليس بديلا عن الصف، بل مكمل له، وأن الأهالي الذين اعتادوا متابعة هذه القنوات خلال تلك الفترة، وجدوا فيها أداة مستمرة لمساندة أبنائهم، حتى بعد عودة التعليم الوجاهي.
ويبين أحد معلمي مادة الرياضيات في عمان، أنه بدأ قناته التعليمية بدافع بسيط، فيقول" كنت أشرح للطلبة في الصف، وألاحظ أن بعضهم يحتاج لإعادة الشرح أكثر من مرة، لكن الوقت لا يسمح".
ويوضح أن تسجيل الدروس ونشرها أتاح له الوصول إلى عدد أكبر من الطلبة، حتى خارج مدرسته، ومع الوقت اكتشف أن هذه القنوات لا تساعد الطلبة فقط، بل تعكس أيضا أسلوبه في الشرح وتطوره كمعلم، وعن الجانب المادي، يشير إلى أن العائد ليس فوريا، وأن تحقيق دخل من هذه القنوات يحتاج وقتا وعددا كبيرا من المشاهدات، لكنه يرى فيها استثمارا طويل الأمد.
ومع أن هذه القنوات تمثل جهدا إضافيا خارج ساعات العمل ودراسة أكثر للطلبة، فإنها تمنح الطرفين مساحة من الفائدة والتأثير، وتخلق نوعا جديدا من العلاقة مع الطلبة، تمتد خارج حدود الصف التقليدي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك