على مدى الأيام الماضية أو ربما الأسابيع الماضية وقعت عدد من الجرائم والحوادث العائلية، أو التى تحمل فى بعض الأحيان ملامح اعتداءات وتقاطعات محرمة، وخلال هذه المدة توسعت بعض المواقع فى نشر تفاصيل هذه الجرائم بشكل تجاوز كل حدود المباح، بل إن بعض الناشرين ارتكبوا جرائم عندما أفرطوا فى ذكر التفاصيل وأعلنوا أسماء وصور ضحايا قصر، ونقول الناشرين لأنهم ليسوا جميعا مواقع وصحف، لكن تتشارك هذه الحالة صفحات بير سلم ومواقع على صفحات تواصل اجتماعى بما يصعب مهمة التتبع، ويوسع من مجالات الفضائحية.
نفس الأمر فى بعض حالات الانتحار أو التخلص من الحياة وما رافقها من بيانات وفيديوهات، أفرطت مواقع وصفحات «سوشيال ميديا» فى تشييرها ونشرها على نطاقات واسعة، بعض الصفحات نشرت بهدف المشاهدات، والبعض هدفه الربح والأغلب هدفه ركوب التريند، حتى هؤلاء الذين مصمصوا شفاههم افتراضيا، أعادوا النشر بكل جرأة، مع علمهم أن النشر خطأ، وهو ما يجعلهم شركاء فى أكل لحم الضحايا.
المفارقة أن كثيرين كالعادة بمجرد نشر جزء من القصة انخرطوا فى التعليق قبل أن تكتمل لديهم الصورة، وارتدوا ملابس قضاة وأصدروا أحكاما بالبراءة والإدانة، قبل أن يتبينوا ما الذى حدث، وهؤلاء غالبا مرضى أو محترفو بحث عن تريند ويشبعون فيه «لطم»، وحتى القضايا العائلية والشخصية بين طرفين هناك من يصدر حكمه على الضحية أو على طرفها من دون أن يعرف الموضوع، ووصل التدنى إلى أن بعض معلقى مواقع التواصل هاجموا ضحية رحلت واعتبروها مخطئة وهاجموها وقذفوها، واتخذوا الأمر سخرية وتنمرا، ليكشفوا عن مجانين يسكنون هذه الجماجم.
تزامنا مع هذه الحوادث، انتبه المجلس الأعلى للإعلام، ونقابتا الصحفيين والإعلاميين، واتخذت إجراءات وأصدرت بيانات تنبه وتدين وتشير إلى مواثيق الشرف وضرورة الالتزام بها، واتخذ المجلس والإعلاميين قرارات بتحقيق أو إيقاف لبرامج أو مواقع، لتتكرر الأحوال التى أصبحنا نراها كثيرا.
والواقع أن الأخطاء تتكرر، لأن هناك خللا واضحا فى تفهم وتطبيق مواثيق الشرف، مع إفراط فى النشر عن الجرائم بشكل عام والتلذذ بشرح أدق التفاصيل، بشكل يقترب من البورنو، والهدف معروف، جذب المشاهدات والقراء، ومداعبة جمهور متعطش للنميمة والتهام اللحم الحى للضحايا، وإذا كان الأمر أقل مع المواقع الخاضعة للقانون، فإن الأمر يبدو أصعب مع انتشار صفحات سوشيال ميديا، بعضها يشرف عليه صحفيون علنا أو من الباطن، ومن الصعب محاسبتهم.
وقد اتخذت النيابة العامة قرارا بحظر النشر فى عدة قضايا وجرائم، منظورة أمام النيابات، والسبب هو هذه الحمى فى النشر، وإن كان من الممكن الحظر للمواقع والصحف، فإنه قد يصعب وقف التنمر والتعليقات العنيفة والإهانات وأكل لحم الضحايا أو تبنى وجهات نظر متعصبة تجاه أحد طرفى النزاع، خاصة أن «قضاة السوشيال ميديا» انتشروا وأصبحوا يفضلون إصدار الأحكام، أو يرتكبون سبا وقذفا ويراهنون على أنهم بعيدون عن العقاب والحساب، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعى تلعب دورا يتجاوز الأخبار إلى التفاعل بل والتلوين والتلاعب فى حوادث الرأى العام، حيث يتجاوز بعض الأطراف الخبر، إلى محاولة تسخير المواقع للتشهير بالضحايا، والتلاعب، بهدف تبرئة المتهم حتى ولو على حساب الضحايا.
وما زلنا نتذكر قضية مقتل طالبة المنصورة، عام 2022، عندما تجاوز دفاع المتهم دوره، ولجأ إلى تشويه الضحية واختراع قصص غير صحيحة ومفبركة، وأثبتت النيابة عدم صحتها، وظلت عملية التشهير ضد الضحية قائمة، وتحولت إلى مادة للتشويش والتلاعب، وهو ما يتكرر مع ضحية الإسكندرية الراحلة، بالرغم من حظر النشر.
وما زلنا نقول إن الأمر ليس فقط بتشريعات لكنه بفرض نقاش علمى بين الخبراء والمختصين اجتماعيا ونفسيا وبحث أفضل الطرق للتعامل مع حالات الاكتئاب والأمراض النفسية، بجانب محاولة فرض نقاش مجتمعى حول طريقة مواجهة ظواهر المدعين والمتنمرين على مواقع التواصل ومحاسبة مجرمين يرتكبون جرائمهم بالقول ويظنون أنهم يحسنون صنعا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك