الجزائر ـ “القدس العربي”:أثارت تصريحات البابا ليو الرابع عشر التي تحدث فيها عن “التاريخ الجزائري الضارب في القدم”، تفاعلا في الأوساط الفرنسية، كونها تضرب في مقتل السردية التي يرددها اليمين ذي الخلفية “المسيحية” منذ فترة طويلة، حول إنكار التاريخ الجزائري ومحاولة تصوير أنه بدأ منذ الاستعمار الفرنسي للبلاد.
وفي كلماته التي تناول فيها تاريخ البلاد، قال البابا إن الجزائر “بلد نبيل، لديه تاريخ عريق وغني بتقاليده، يمتد منذ زمن القديس أوغستين وقبل ذلك بكثير”، في إشارة مباشرة إلى عمق الامتداد التاريخي للبلاد، بما يسبق الحقبة الاستعمارية بقرون طويلة.
وخاطب الجزائريين قائلاً إن “تاريخكم عرف الألم وعانى من فترات عنف، لكنكم عرفتم كيف تتجاوزون كل ذلك بشرف وشجاعة”.
كما وصف البابا الجزائر بأنها “ملتقى الثقافات والأديان”، مبرزاً خصوصيتها في الفضاء المتوسطي، ومشيراً إلى أن هذا التنوع لم يكن طارئاً، بل هو جزء من بنيتها التاريخية.
وأضاف أن الجزائر “القوية بجذورها وأمل شبابها” قادرة على الإسهام في ترسيخ الاستقرار والحوار، سواء داخل المجتمع الدولي أو على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
قال البابا إن الجزائر “بلد نبيل، لديه تاريخ عريق وغني بتقاليده، يمتد منذ زمن القديس أوغستين وقبل ذلك بكثير”، في إشارة مباشرة إلى عمق الامتداد التاريخي للبلاد، بما يسبق الحقبة الاستعمارية بقرون طويلة”وفي سياق حديثه عن المستقبل، شدد البابا على أن التراث الذي تزخر به الجزائر لم يكن مجرد ماضٍ رمزي، بل عنصر قوة ساهم في تجاوز الأزمات، ولا يزال يوجه الحاضر.
وأكد أن “المستقبل في يد الرجال والنساء صناع السلام”، وأن “العدل سينتصر على الظلم دائماً”، معتبراً أن الاحترام المتبادل هو الأساس الذي يمكن الشعوب من السير معاً.
هذه التصريحات لقيت صدى في فرنسا، حيث اعتبرتها سيغولين رويال المرشحة الرئاسية السابقة “درساً في التاريخ”، موجهاً بشكل واضح إلى الأصوات التي تنكر وجود الجزائر قبل الاستعمار.
وفي تعليق على صفحتها الرسمية، قالت إن هذه الكلمات ترد على من يكررون أن “الجزائر لم تكن موجودة قبل الاستعمار”، معربة عن أملها في أن تتحول مثل هذه المواقف إلى خطاب رسمي فرنسي في المستقبل.
وأضافت رويال، التي تترأس جمعية “فرنسا-الجزائر”، أن الاعتراف بتاريخ الجزائر ومعاناتها يمثل قاعدة أساسية لبناء مصالحة حقيقية، مشددة على أن مثل هذا الاعتراف ضروري للأجيال الجديدة في البلدين، في ظل علاقات ما تزال مثقلة بملف الذاكرة.
ويأتي هذا التفاعل في سياق الجدل المتكرر حول التاريخ الاستعماري الفرنسي، حيث تعود بشكل دوري سرديات في فرنسا قديمة تعتبر أن الاستعمار كان “مشروعاً حضارياً”.
وفي الواقع، هذه السردية ليست جديدة، بل تمتد جذورها إلى الخطاب الاستعماري الكلاسيكي في القرن التاسع عشر، الذي سعى إلى تبرير التوسع الاستعماري تحت غطاء “نشر الحضارة”.
وفي السنوات الأخيرة، أعاد عدد من رموز اليمين المتطرف إحياء هذه الأطروحات، من بينهم إيريك زمور، الذي كان قد أثار جدلاً واسعاً بتصريحات سنة 2025 في سياق الأزمة الجزائرية الفرنسية، أنكر فيها وجود الجزائر كأمة أو دولة قبل الاحتلال الفرنسي.
وذهب زمور إلى القول إن الجزائر “لم تكن يوماً أمة ولا شعباً ولا دولة ذات سيادة”.
كما ادعى أن المنطقة كانت “قاعدة للقراصنة” في البحر الأبيض المتوسط، متسائلاً بشكل استفزازي عمن يجب أن يدفع تعويضات عن تلك المرحلة، في محاولة لقلب النقاش حول الذاكرة الاستعمارية.
ولم يتوقف عند هذا الحد، بل شكك في وقوع إبادة خلال الحقبة الاستعمارية، مستنداً إلى زيادة عدد السكان بين 1830 و1962.
وعلى نفس المنوال، سبق لزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، أن روّجت لفكرة “جلب الحضارة”، حيث اعتبرت في تصريحات لها سنة 2017 أن الاستعمار الفرنسي “لم يكن مأساة” بالنسبة للجزائر.
وذهبت إلى القول إن فرنسا قدمت للجزائر بنى تحتية ورأسمالاً اقتصادياً، معتبرة أن ذلك كان يمكن أن يجعلها “نرويج المنطقة المغاربية”.
اعتبرت سيغولين رويال المرشحة الرئاسية الفرنسية السابقة “درساً في التاريخ”، موجهاً بشكل واضح إلى الأصوات التي تنكر وجود الجزائر قبل الاستعماركما سبق للوبان أن صرحت بأن الاستعمار “جلب الكثير” للبلدان التي خضعت له، مشيرة إلى مستشفيات وطرق، في خطاب يعيد إنتاج نفس المنطق التبريري الذي يفصل بين البنية التحتية وسياقها الاستعماري، ويتجاهل طبيعة النظام الذي أقيم آنذاك، والذي كان قائماً على التمييز بين المستوطنين والسكان الأصليين.
ويسعى هذا الخطاب إلى إعادة قراءة الاستعمار من زاوية تمجيدية، وهو يقابل بردود قوية تعتمد المنطق والحجة العلمية داخل فرنسا نفسها.
فقد أكد المؤرخ بنجامين ستورا أن الجزائر كانت كياناً قائماً قبل الاحتلال، مذكّراً بأن إيالة الجزائر كانت طرفاً فاعلاً في العلاقات الدولية، بل وأقرضت فرنسا أموالاً خلال فترات سابقة، وهو ما يفند فكرة “الفراغ التاريخي”.
من جهته، ينتقد الصحافي جون ميشال أباتي هذا الطرح في تصريحاته، حيث يؤكد أن دوافع احتلال الجزائر لم تكن حضارية، بل سياسية بالأساس، مرتبطة بسعي الملك شارل العاشر إلى تعزيز سلطته الداخلية.
ويبرز أن الاستعمار تحول لاحقاً إلى مشروع استيطاني قائم على التمييز، حيث تم إقصاء الجزائريين من الحقوق الأساسية، بما في ذلك التعليم، مع قمع أي تمرد بعنف شديد.
وفي الجزائر، يُنظر إلى هذه الطروحات على أنها محاولة لتزييف التاريخ، إذ يشير الخطاب الوطني إلى أن الاستعمار الفرنسي كان مشروعاً استيطانياً تخللته سياسات إبادة جماعية ونهب للثروات، إلى جانب استشهاد ملايين الجزائريين وتفقير ممنهج لهم.
وضمن هذا المعنى، كان الرئيس عبد المجيد تبون قد ذكر في رسالته العام الماضي بمناسبة الشهيد على أن “الاستعمار لم يجلب الحضارة، بل عطّل مسار الجزائريين لأكثر من 130 سنة”، مشدداً على أن هذه المرحلة شهدت مقاومة مستمرة انتهت بثورة التحرير.
يذكر أن البابا ليو الرابع عشر قد غادر الجزائر الأربعاء بعد زيارة تاريخية للبلاد دامت يومين، تخللها برنامج مكثف شمل لقاءات رسمية مع عبد المجيد تبون وزيارات إلى معالم دينية وتاريخية في الجزائر العاصمة وعنابة، إلى جانب مشاركته في فعاليات رمزية أبرزها الوقوف بمقام الشهيد وزيارة جامع الجزائر وكنيسة السيدة الإفريقية وموقع هيبون.
وشكلت الزيارة التي حملت شعار “السلام عليكم”، مناسبة لتوجيه رسائل حول السلام والحوار والتعايش.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك