أدى انخراط “حزب الله” في جبهة دعم إيران خلال الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية عليها إلى استعصاء سياسي – عسكريّ جديد في لبنان، في ما اعتبر خرقا لاتفاق “وقف الأعمال العدائية” بين إسرائيل والحزب، الذي دخل التنفيذ في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.
لكن الحقيقة أن إسرائيل كانت قد خرقت ذلك الاتفاق، في الأساس، وذلك برفضها تنفيذ أحد بنوده الذي ينصّ على انسحاب قواتها خارج كل الأراضي اللبنانية، رافضة إخلاء ما سمّي بـ”النقاط الخمس”.
ربطت إسرائيل الانسحاب من تلك النقاط بشرط سحب سلاح “حزب الله” أولا، وبذلك دخل لبنان الرسميّ في استعصاء مضن، فلا السلطات اللبنانية قادرة فعلا على نزع سلاح الحزب، ولا هي قادرة على إخراج إسرائيل من تلك النقاط.
بعد اندلاع العمليات العسكرية مجددا مع “حزب الله” أعادت إسرائيل احتلال جزء كبير من الشريط الحدودي يقارب خمسة في المئة من مساحة لبنان الإجمالية، وأجبرت سكان البلدات والقرى فيه على النزوح، معلنة نيتها، هذه المرة، الاحتفاظ بخمسة عشر موقعا عسكريا مستحدثا، ومضيفة على هدفها الأساس، أي نزع سلاح الحزب، السيطرة على “منطقة أمنية عازلة” بحجة توفير حماية لسكان مستوطنات الشمال، وبذلك رفعت سقف التحدّيات أمام اللبنانيين جميعا، بغض النظر عن موقع أيّ منهم في المعادلة.
أظهر اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي وإيران الوضعية الإشكالية في لبنان بأجلى صورها، ففي حين يفترض أن يعطي موقف طهران (المصرّ على وقف شامل لإطلاق النار يشمل لبنان) السلطات اللبنانية ورقة للضغط في ملف الانسحاب الإسرائيلي، فإنه بالأحرى، أظهر لبنان كبلد فاقد للسيادة في أهم مقوماتها: قرار الدولة بإعلان الحرب والتفاوض على السلم.
في المقابل، واجهت إسرائيل إعلان السلطات اللبنانية، بلسان الرئيس جوزف عون، تكرار رغبتها في التفاوض المباشر مع إسرائيل بأشكال من الازدراء والتهاون التي ختمتها، بعد إعلان وقف إطلاق النار مع إيران، بالمجازر الإبادية التي نفّذتها يوم الثامن من الشهر وخلّفت مئات القتلى والجرحى، وأظهرت بهذه المقتلة الهمجية رغبتها في إجهاض اتفاق وقف إطلاق النار، وإذا لم تستطع، ففصله عن المسار اللبناني.
مثّلت المباحثات المباشرة التي جرت بين لبنان، أول أمس الإثنين، تطوّرا سياسيا لافتا كونها تتجاوز الرفض الإسرائيلي السابق، وتستجيب لمطلب السلطات اللبنانية بما يدعم مظاهر سيادتها على قراري الحرب والسلم، ولكن استجابة إسرائيل للتفاوض تحمل في داخلها مفارقة ملحوظة، ففي حين يعلن “حزب الله” رفض هذه المفاوضات بشدة، فهي ما كان يمكن أن تحصل، على ما يظهر، لولا الضغط الإيراني على الجانب الأمريكي!أعطت هذه المباحثات، ضمن السياق المذكور، انطباعا معاكسا لفكرة تعزيز سيادة لبنان، فقد أظهرت ضعف قدرات السلطات اللبنانية في رفع أوراق تفاوض داخلية بمواجهة إسرائيل، اللهم إلا إذا أرادت تنسيق المواقف مع “حزب الله”، وهو ما يعيدها بالضرورة إلى إيران!كشفت المفاوضات أيضا “فيتو” إسرائيليا وأمريكيا على الأوراق الخارجية التي يمكن أن تساعد السلطة اللبنانية على خلق بعض التوازن مع إسرائيل، وذلك عبر رفض وجود فرنسا، أو الاتحاد الأوروبي، أو حتى الجامعة العربية ضمن الأطراف الراعية للمفاوضات.
تشير أنباء أعلنتها طهران عن قرب وقف إطلاق نار في لبنان، مجددا، إلى هذا الاستعصاء الكبير، الذي يجعل لبنان رقعة شطرنج بين إيران وإسرائيل، بشكل يفرغ المفاوضات الإسرائيلية – اللبنانية من مضمونها، ويعيد تأطير لبنان ضمن استعصاء لا يبدو أن الفكاك منه قريب!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك