خرجت علينا كابتن إيلا، المتحدثة العسكرية الإسرائيلية، لتذكر العالم بذكرى الهولوكوست، وتستدعي مآسي الماضي في محاولة لاستدرار عطف إنساني غاب عن ممارسات جيشها على أرض الواقع؛ فمن المثير للسخرية أن تتحدث بلسان الضحية وهي ترتدي بزة عسكرية ملطخة بدماء الأبرياء، وتطالبنا بالبكاء على ذكرى محرقة قديمة، بينما طائراتها حرقت، ومازالت تحرق، غزة بمن فيها في كل ثانية.
إن حديثها يمثل ذروة التناقض الأخلاقي، حيث تحاول توظيف الألم التاريخي كغطاء لشرعنة القتل الحالي؛ فكيف لمن يدعي الوفاء لضحايا الظلم، أن يكون هو نفسه صانعاً لظلم يفوق الوصف؟ومن الصعب حقاً أن يتأمل الإنسان هذا التناقض الصارخ بين ذاكرة الألم وممارسة القسوة، في عالم يفترض أنه تعلم من دروس الماضي القاسية؛ فالحياة هي رحلة قصيرة تنتهي بنا جميعاً في ذات المحطة، فلماذا نصر على ملء المسافة بين البداية والنهاية بكل هذا الركام من الصراعات والدماء؟ إن فكرة العالم المثالي تبدو بعيدة المنال طالما أن الضحية، عندما تملك القوة، تتحول أحياناً إلى جلاد يمارس نفس الفظائع التي بكت منها يوماً ما.
فإسرائيل التي تحتفل واحتفلت بذكرى الهولوكوست، تعتمد في سرديتها التاريخية على مأساة إنسانية كبرى تقول إن ستة ملايين يهودي قضوا فيها، وهي الذكرى التي جعلت من ألمانيا تعيش في دوامة من التعويضات والاعتذارات المستمرة حتى اليوم.
لكن المفارقة التاريخية والأخلاقية تكمن في أن من ذاق مرارة الإبادة، وعاش في معسكرات الاعتقال -كما يقول ويردد ويدعي- وانتظر الخلاص من الموت، يفترض به أن يكون أكثر البشر انحيازاً للحياة، وأكثرهم تقديراً لمعنى الكرامة الإنسانية.
ومع ذلك، نجد الواقع على الأرض الفلسطينية يتحدث بلغة مغايرة تماماً، حيث تصر إسرائيل على نهج تهجيري وتدميري يصل إلى حد الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني.
إن الأرقام الصادرة عن المنظمات الدولية ووزارة الصحة الفلسطينية مرعبة وتكشف عن حجم الكارثة؛ فمنذ نكبة عام ثمانية وأربعين وحتى اليوم، سقط مئات الآلاف من الشهداء والجرحى، وفي الحرب الأخيرة على قطاع غزة، تجاوز عدد الشهداء أربعين ألفاً، أغلبهم من الأطفال والنساء، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المفقودين تحت الأنقاض، الذين لا تجد أسماؤهم مكاناً في سجلات الأحياء ولا الموتى الرسمية حتى الآن.
إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي حكايات بشر كان لديهم أحلام وبيوت وقصص حب، قتلوا بآلة عسكرية لا تفرق بين مقاتل ومدني، تماماً كما تصف الرواية التاريخية ضحايا المحرقة قديماً.
فالسؤال الذي يطرح نفسه بمرارة هو: كيف يمكن لمن يستدعي ذكرى محرقة أليمة، أن يرتكب في ذات الوقت محارق يومية ضد شعب يطالب بحقه في الوجود فوق أرضه؟ إن هذا السلوك ينسف كل المبادئ الإنسانية التي تدعي الديمقراطيات العالمية حمايتها، ويظهر أن ذاكرة الألم لم تصقل الضمير، بل تم استخدامها كدرع سياسي لتبرير جرائم لا تقل بشاعة.
فالعالم المثالي الذي تنشده يحتاج أولاً إلى كسر هذه الحلقة المفرغة من الانتقام، وتوقف القوى الكبرى عن الكيل بمكيالين؛ فإذا كان دم الإنسان غالياً في مكان، فهو غالٍ في كل مكان، وإذا كانت الإبادة جريمة في أوروبا، فهي جريمة في فلسطين أيضاً.
إن ما فعله وتفعله إسرائيل اليوم من حصار وتجويع وقتل ممنهج وتدمير للمستشفيات والمدارس، يضعنا أمام حقيقة مؤلمة وهي أن التاريخ يعيد نفسه بصور مختلفة، والضحايا يتغيرون لكن القسوة تظل واحدة، والذين يرفعون شعار" لن يتكرر أبداً" بخصوص المحرقة، هم أنفسهم من يجعلون الإبادة تتكرر يومياً بحق الفلسطينيين؛ فالحق في الحياة ليس منحة من أحد، بل هو أصل الوجود الذي نتشاطره جميعاً في رحلتنا نحو النهاية.
وفي ختام هذه الرحلة الدامية، يبقى السؤال معلقاً في فضاء الضمير الإنساني: كم من طفل فلسطيني يجب أن يحترق لتكتفي ذاكرة المحرقة؟ وكم من أم يجب أن تنوح لنصدق أن شعار" لن يتكرر أبداً" كان كذبة كبرى تم تسويقها للعالم؟ فالمثالية ليست في البكاء على قبور الأجداد، بل في منع حفر قبور جديدة للأحياء.
وإن التاريخ الذي يكتبه القوي بدم الضعيف سيمحى يوماً، وتبقى صرخة المظلوم هي الحقيقة الوحيدة التي لا تموت؛ فسلام على كل روح أزهقت بغير حق، وسلام على عالم ينشد العدل ولا يجده إلا في أحلام المتعبين.
أما أنتِ يا كابتن إيلا، فإليكِ هذه الرسالة: إن الذاكرة التي تستحضرينها اليوم لتبرير سحق شعب آخر، هي أكبر إدانة لكِ ولجيشكِ؛ فالناجي الحقيقي من الظلم لا يصنع ظلاً للمقصلة فوق رؤوس الآخرين.
ارتداؤكِ للبزة العسكرية وأنتِ تتحدثين عن" ألم الإبادة" هو إهانة لكل ضحايا التاريخ، لأنكِ ببساطة اخترتِ أن تكوني النسخة الجديدة من ذلك الماضي الذي تدعين كراهيته.
التاريخ لن يذكركِ كمتحدثة باسم الحقيقة، بل كصوت حاول تجميل وجه القبح بدموع مستعارة، بينما دماء أطفال غزة ستظل هي الشهادة الصارخة التي لن تمحوها كل خطاباتكِ المنمقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك