على مدى ما يقارب ربع قرن من متابعة الإعلام العربي والباكستاني، يبرز نمط يصعب تجاهله، وهو أن باكستان حاضرة في التغطية الإعلامية العربية، لكنها نادرًا ما تظهر بصورة متكاملة.
لا يتعلق الأمر بغياب كامل، ولا يمكن اختزاله في تشويه مباشر، فباكستان تظهر بالفعل، إلا أن حضورها يأتي غالبًا ضمن أطر محددة ومكررة، ترتبط بالتطورات الأمنية، أو عدم الاستقرار السياسي، أو لحظات التوتر الإقليمي، وهذه الزوايا ليست غير صحيحة، لكنها غير كافية، ومع تكرارها، يتشكل تصور يبدو مجزأً، ويميل في كثير من الأحيان إلى السلبية.
تتقدم باكستان إلى الواجهة في سياقات بعينها، كالأزمات أو التحولات السياسية أو التغيرات الجيوسياسية، ثم تتراجع مع انحسار هذه اللحظات، ورغم وجود تغطية اقتصادية، خصوصًا فيما يتعلق بالعمالة والتحويلات في الخليج، فإنها نادرًا ما تتوسع لتقدم فهمًا أشمل للبلاد.
النتيجة ليست سردية متماسكة، بل مجموعة من الانطباعات التي لا تترابط.
هذا النمط ليس عشوائيًا، فوسائل الإعلام لا تكتفي بنقل الوقائع، بل تعيد تنظيمها ضمن أطر يسهل على الجمهور استيعابها، ومع مرور الوقت، تتحول هذه الأطر إلى صور مستقرة عن الدول.
تُقدَّم تركيا بوصفها فاعلًا سياسيًا حازمًا، وتُعرض إيران كمشروع استراتيجي طويل الأمد، بينما تُروى قصة الهند، بشكل متزايد، من خلال النمو الاقتصادي، والطموح التقني، والاندماج العالمي.
في المقابل، لم تستقر باكستان ضمن إطار مماثل من الوضوح، فحضورها لا يزال مرتبطًا بالأحداث، يتقدم معها ويتراجع بانتهائها، دون أن يتراكم في صورة سردية مستمرة.
وهنا يبرز سؤال مختلف، إذ لا يقتصر الأمر على سبب عدم تقديم الإعلام العربي تفسيرًا أكثر شمولًا لباكستان، بل يمتد إلى ما إذا كانت باكستان قد قدَّمت نفسها بما يكفي لتكون قابلة للفهم خارج لحظات الاضطراب.
الإعلام، في العادة، لا يصنع السرديات من فراغ، بل يضخم ما هو قائم بالفعل وقابل للتكرار والتواصل، وفي حالة باكستان، فإن المقومات الأساسية متوفرة: موقع جغرافي ذو أهمية استراتيجية، وتاريخ سياسي معقد، وعلاقات عميقة وممتدة مع العالم العربي، غير أن هذه العناصر لا تُصاغ باستمرار ضمن إطار سردي واضح، والمشكلة ليست في نقص المضمون، بل في غياب البنية التي تنظمه.
تُظهر المقارنة مع الهند هذا التباين بوضوح، فعلى مدى العقدين الماضيين، لم تكتفِ الهند بتوسيع حضورها الاقتصادي، بل أولت اهتمامًا بكيفية تقديم نفسها للعالم، وقد تجاوز هذا الجهد نطاق الخطاب الرسمي ليشمل الثقافة والتعليم والإعلام، وأسهمت السينما، وخاصة بوليوود، في ترسيخ حضور الهند في الوعي الثقافي اليومي في العالم العربي، مما جعلها مألوفة حتى في ظل فهم جزئي.
أما باكستان، فلم تتحرك بالزخم نفسه، حضورها الثقافي والفكري في الإعلام العربي لا يزال محدودًا، وهو ما يجعلها تُقابَل غالبًا بوصفها موضوعًا جيوسياسيًا، لا مجتمعًا يمتلك عمقًا واستمرارية وتنوعًا داخليًا.
ويزداد هذا التباين وضوحًا عند النظر إلى حجم الوجود الباكستاني في دول الخليج، فالملايين يعيشون ويعملون في المنطقة، في واحدة من أوضح صور الترابط البشري بين الجانبين، ورغم ذلك، نادرًا ما تتحول هذه التجارب إلى سردية أوسع، وهذا يعني أن الحضور قائم، لكن تمثيله محدود.
ويمتد هذا النمط إلى طبيعة التواصل، فقد حرصت أطراف إقليمية على مخاطبة الجمهور العربي بشكل مباشر، من خلال منصات إعلامية باللغة العربية، ووسائط رقمية، واستراتيجيات موجهة، ورغم تفاوت مستوى الاتساق في رسائلها، فإنها تحافظ على حضور مستمر وقابل للوصول.
في المقابل، يظل تواصل باكستان الخارجي في معظمه تفاعليًا، فهو يستجيب للتطورات، ويوضح المواقف، ويحاول تصحيح السرديات بعد تشكلها، وعلى الرغم من أهمية هذا النهج في بعض السياقات، إلا أنه يصبح مع الوقت محدود الأثر، فالصوت التفاعلي لا يصنع التصورات، بل يتعامل معها، وقد يسهم أحيانًا في ترسيخها.
ولا تقتصر النتائج على البعد الشكلي، فعندما تُختزل دولة في مجموعة محدودة من الموضوعات، يتراكم الأثر تدريجيًا، ويتحول إلى تصور مستقر، حتى العلاقات القوية قد تُفهم ضمن أطر ضيقة، فعلاقات باكستان مع العالم العربي عميقة وذات أهمية استراتيجية، لكنها غالبًا ما تُقرأ من زاوية أمنية أو تبادلية، لا كجزء من شراكة أوسع ومتنامية.
في بيئة تتزايد فيها أهمية القوة الناعمة في تشكيل المكانة الجيوسياسية، فإن الدول التي لا تعرف نفسها بوضوح تُعرَّف تلقائيًا من خلال أكثر لحظاتها ظهورًا، وغالبًا ما تكون هذه اللحظات مرتبطة بالاضطراب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك