عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر حديثاً كتاب «معجم المسرح السيري: ببليوجرافيا شارحة لتجليات السير الشعبية في المسرح العربي (1847 - 2025)» للدكتور عبدالكريم الحجراوي، ويقدّم الكتاب جهداً بحثياً نوعياً دؤوباً يفتح أفقاً جديداً في دراسة العلاقة بين المسرح العربي والموروث الشعبي، وتحديداً السير الشعبية التي طالما شكّلت وجدان الجماعة العربية وذاكرتها السردية.
وينطلق الكتاب من فرضية أساسية مؤداها أن البحث عن خصوصية للمسرح العربي لم يكن وليد دعوات الستينات التي قادها رواد مثل يوسف إدريس وتوفيق الحكيم ومحمد مندور، والتي تبعتها تنظيرات مشابهة في دول عربية مختلفة، مثل المسرح الاحتفالي لدى عبدالكريم برشيد، وغيره، وإنما هو توجّه ضارب في جذور نشأة المسرح العربي ذاتها منذ القرن التاسع عشر.
فمع البدايات الأولى على يد مارون النقاش، كان الاشتغال على الموروث الشعبي، بما فيه السير والحكايات، حاضراً لجعل الفن المسرحي الوافد قريباً من الذائقة العربية.
ويركّز الكتاب على «السير الشعبية»، باعتبارها أحد أهم روافد الإبداع المسرحي، في محاولة لإعادة الاعتبار لها، مقارنة بحضور «ألف ليلة وليلة»، الذي استأثر باهتمام الباحثين لعقود.
ومن خلال جهد استقصائي استمر لسنوات، يرصد «الحجراوي» نحو 250 نصاً مسرحياً عربياً استلهمت السير الشعبية، موزّعة على 16 دولة عربية، في فترة زمنية تمتد من 1847 حتى 2025، مما يجعل هذا العمل أوسع خريطة توثيقية معروفة لهذا النوع من التداخل بين الشعبي والمسرحي.
ويكشف الكتاب عن حضور لافت لمصر في صدارة الدول المنتجة لهذا اللون المسرحي، تليها لبنان واليمن والأردن والسعودية، مع تفاوت ملحوظ في عدد النصوص بين البلدان العربية، كما يقدّم إحصاءً دقيقاً لأكثر السير حضوراً على خشبة المسرح، حيث تتصدّر سيرة عنترة بن شداد القائمة، تليها السيرة الهلالية، ثم سيرة الزير سالم، فالظاهر بيبرس، وسيف بن ذي يزن، وغيرها من السير التي شكّلت مادة خصبة لإعادة التخييل الدرامي.
لا يكتفي الكتاب بالرصد الكمي فقط، بل يتجاوزه إلى تقديم «ببليوجرافيا شارحة»، لكل نص مسرحي بيانات تفصيلية تشمل اسم المؤلف، وسياقه، ونوع النص (شعري أو نثري، فصحى أو عامية)، وحالته (مطبوع أو مخطوط).
كما يطرح «الحجراوي» تصنيفاً منهجياً لتحولات السير الشعبية في المسرح العربي، يقسّمها إلى ثلاث فئات رئيسية: فئة «النقل» التي تعتمد على تحويل السرد الشعبي إلى نص مسرحي مباشر، وفئة «التحوير» التي تعيد صياغة أحداث السيرة بما يخدم إسقاطات معاصرة، وفئة «التبديل» التي تدمج أبطال السير في سياقات حديثة.
ويستبعد فئة رابعة قائمة على «المماثلة» لصعوبة ضبطها منهجياً، وهو ما يكشف عن وعي نقدي بطبيعة المادة المدروسة وحدودها.
في المحصلة، يقدّم «معجم المسرح السيري» إضافة نوعية للمكتبة العربية، من عدة زوايا، منها مرجعيته الببلوجرافية، وثانياً فتحه الباب أمام دراسات لاحقة في مجالات النقد المسرحي، والدراسات الثقافية، والأنثروبولوجيا الأدبية، وهو عمل يختصر سنوات من الجهد الفردي في تتبّع النصوص وجمعها وتحليلها، ليضع بين يدي الباحثين والمهتمين خريطة شاملة لتحولات السير الشعبية في المسرح العربي.
عبدالكريم الحجراوي من مواليد 1991م، وهو كاتب وناقد مسرحي مصري، حاصل على دكتوراه الفلسفة في النقد المسرحي، وعضو باتحاد الكتاب، ونادي القصة صدرت له مؤلفات نقدية وإبداعية، منها: المسرحية الشعرية العامية في مصر: دراسة تحليلية (1921 - 1986)، تجليات السير الشعبية في المسرح العربي: دراسة تداولية (1967 - 2011)، صدمة التوحش: صورة داعش في المسرح العربي، راهب المسرح: سليم كتشنر، الهوية: رؤية مأساوية، كان لك معايا (مجموعة قصصية)، سيرة هشة ليوم عادي (رواية).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك