سعدت جداً بزيارة المعرض التفاعلي Beyond Van Gogh والذي يزور مصر في تلك الأيام، بعد أن لف العالم، وتجول في أشهر العواصم العالمية، لكني سعدت أكثر بمشهد الطابور الطويل الذي كان أمام بوابة الدخول، والزحام الشديد على موقع حجز التذاكر، ٩٠% من الحضور شباب، بينهم من يرتدي تيشيرت مرسوماً عليه لوحة ليل مرصع بالنجوم، ومن ترتدي شالاً عليه لوحة عباد الشمس، من يمسك «المج» المرسوم عليه بورتريه للفنان، أو ممسك بحقيبة عليها رسم حجرته التي ظل فيها وحيداً حتى رحيله في عمر السابعه والثلاثين، فقيراً، مهملاً، بدون أن يبيع لوحة واحدة.
المعنى الكامن خلف تلك المشاهد، هو أنك عندما تقدم بديلاً فنياً وثقافياً جيداً للشباب، يتجه إليه، ويضبط بوصلته عليه، لكن الفن الرديء، تكراره، والإلحاح عليه، يخلق حالة إدمان للرداءة، وضبابية رؤية، وعدم إمكانية تفرقة بين الجيد والرديء، شباب مصر فيه نواة حضارية، لكن المهم أن تحفر في العمق لإنعاشها، والعثور عليها، وجعله يتعرف عليها.
هذا المعرض التفاعلي مدرسة لتعليم كيف تقدم الفن للناس؟ ليس بالتلقين الأكاديمي الرتيب، ولا بمجرد الكتب، الشباب يحتاج في زمن التكنولوجيا والإنترنت، طريقة تقديم جديدة، وهذا ما فعله هذا المعرض، الذي برغم أنني شاهدت لوحات فان جوخ الأصلية في متحفه بأمستردام، خمس مرات، إلا أننى استمتعت، واستفدت، ورتبت معلوماتي التى كان الصدأ قد تراكم عليها بفعل الزمن.
المعرض يستعرض اللوحات، ثم يستعرض التفاصيل وينقل إليك إحساس الفنان وهو يضرب بفرشاته السريعة، المحمومة، تتراكم كتل اللون، مترجمة ما بداخله من نار ولوعة، الخلفية موسيقى تصويرية جميلة ومعبرة، بالكمان والساكسفون والبيانو، جعلت بعض البنات يرقصن معها «باليه»، من جمال ونعومة الموسيقى، الراوي يحكي من خلال اقتباسات فان جوخ من خطاباته لشقيقه، الذي رعاه طيلة حياته، وكان الوحيد المؤمن بفنه.
هذه الخطابات تعتبر أشهر خطابات فنية، وهي قطع أدبية فى حد ذاتها، تتابع اللوحات فى المعرض له فلسفة، طارحة الأسئلة أكثر من الإجابات، البورتريهات الذاتية لفان جوخ والتي رسم منها العشرات، هل هي أنانية ونرجسية، أم بحث عن الذات؟ عشقه للون الأصفر، هل هو نتيجة تأثير مرض، أم لأنه اكتشف كنوزه المخبوءة؟ لوحة حقل القمح والغربان التى رسمها قبل انتحاره، هل هي نذير يأس، أم صرخة جوع إلى الفهم؟ خروجه إلى الحقول والبراح تحت الشمس الدافئة، وهجرة الاستوديوهات المغلقة، هل هي رغبة تحرر وتحليق، أم لأنه كان مستوعباً ومدركاً أنه يؤسس مدرسة فنية جديدة، تستحم بعطر الطبيعة؟ زهور عباد الشمس، براعم اللوز، قوارب الصيادين، جسور هولندا، المصحة النفسية، ساعي البريد، دكتور جاشيه طبيبه الذى كان يعالجه، آكلو البطاطس الفقراء، عمال المناجم الذين يموتون في غياهب المجهول؟ رسم كل هؤلاء، هل هو غرام بالتفاصيل الفنية، أم انحياز للمهمشين، وللطبيعة والأرض والنهر والسماء والمساء؟ فلنتعطر بعطر الفن، فهو خير دواء لقبح الكراهية، ورائحتها التي تزكم الأنوف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك