انطلقت في مدينة أنطاليا أعمال النسخة الخامسة من منتدى أنطاليا للدبلوماسية، بمشاركة سياسية ودبلوماسية واسعة تجاوزت 150 دولة، في توقيت دولي بالغ التعقيد تتقاطع فيه أزمات الشرق الأوسط مع تداعيات الحرب في أوروبا وأسئلة أمن الطاقة والممرات البحرية، ما جعل أجندة المنتدى هذا العام تميل بوضوح إلى ملفات الوساطة والتهدئة وإعادة الاعتبار للدبلوماسية متعددة الأطراف.
الحضور الرفيع شمل رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية ومسؤولين عسكريين ودبلوماسيين، بينهم قادة من أذربيجان وكازاخستان وسوريا، ورؤساء حكومات من صربيا وجورجيا، إلى جانب وزراء خارجية من روسيا وأوكرانيا وألبانيا والجبل الأسود، بما يعكس اتساع التمثيل الجغرافي والسياسي للمنتدى.
أهمية الدورة الحالية لا ترتبط فقط بكثافة الحضور، بل بطبيعة الملفات المطروحة.
التطورات المرتبطة بإيران وأمن الملاحة في مضيق هرمز حضرت بقوة في النقاشات، إلى جانب استمرار تداعيات الحرب بين موسكو وكييف، وسط دعوات متكررة لإحياء مسارات التفاوض والبحث عن تسويات قابلة للاستمرار.
على هامش المنتدى، برزت ترتيبات لاجتماع رباعي لوزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان والسعودية، في محاولة لتعزيز التنسيق السياسي تجاه أزمات الإقليم، وبحث آليات احتواء التوترات المتصاعدة، خصوصًا في الشرق الأوسط، مع تركيز واضح على قنوات الوساطة وخفض التصعيد.
في الجلسة الافتتاحية، قدّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قراءة سياسية حادة للمشهد الدولي، معتبرًا أن العالم يقف عند مفترق طرق حاسم، وأن النظام الدولي يواجه أزمة أخلاقية ووجودية تتجلى في النزاعات المفتوحة، لا سيما في غزة.
ودعا إلى إعادة تمكين الدبلوماسية كخيار أول، بدل الانزلاق إلى منطق القوة، مع طرح فكرة إصلاح المؤسسات الدولية لتكون أكثر عدالة وتمثيلًا.
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان شدد بدوره على “المسؤولية الأخلاقية” للمجتمع الدولي في حماية مسارات السلام، داعيًا إلى عدم ترك عمليات التهدئة رهينة حسابات ضيقة، والعمل على استثمار منصة المنتدى لدعم الحوار السياسي.
الملف الأوروبي حضر بقوة أيضًا، حيث اعتبر نائب الرئيس التركي جودت يلماز أن اتحاد اليورو قادر على لعب دور أكثر استقلالية وتأثيرًا في إدارة الأزمات الإقليمية.
وفي السياق نفسه، أعلن وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها استعداد بلاده للمشاركة في أي مسار دبلوماسي يمكن أن يقود إلى إنهاء الحرب، في إشارة إلى انفتاح كييف على المبادرات السياسية بالتوازي مع واقع الميدان.
رئيس وزراء جورجيا إيراكلي كوباخيدزه ربط بدوره بين إنهاء الحرب في أوكرانيا وأمن أوروبا ككل، بينما دعا رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف إلى إصلاح منظومة الأمم المتحدة، معتبرًا أن المؤسسات الدولية بصيغتها الحالية لم تعد مواكبة لطبيعة التحديات الجديدة.
وفي مداخلة لافتة، أشار السفير الأمريكي لدى أنقرة والممثل الخاص لسوريا توم باراك إلى أن السياسات الإسرائيلية الحالية لا تعطي أولوية كافية لمسألة الحدود والاستقرار الإقليمي، في ظل استمرار حالة التوتر في الشرق الأوسط.
قضايا الطاقة كانت محورًا رئيسيًا في عدد من الجلسات.
وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أكد أن تنويع مصادر الطاقة يمثل أولوية استراتيجية لبلاده، مع التوسع في الاستثمارات المرتبطة بالطاقة البديلة وتقليل الاعتماد على مصادر محددة، في ضوء المخاطر التي تهدد الإمدادات التقليدية نتيجة التوترات الجيوسياسية.
كما تكررت الإشارة إلى أهمية تأمين الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، نظرًا لتأثير أي اضطراب فيه على سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة.
وفي هذا السياق، طُرحت جهود الوساطة الجارية بين واشنطن وطهران، مع إبراز دور أطراف إقليمية، بينها باكستان، في محاولة إعادة إطلاق مسار التفاوض وتخفيف حدة التوتر.
المنتدى لم يقتصر على القضايا الصلبة المرتبطة بالأمن والسياسة، بل تناول أيضًا موضوعات الحوكمة والتمثيل السياسي.
إحدى الجلسات البرلمانية ناقشت سبل تعزيز التنوع داخل البرلمانات، باعتباره عنصرًا ضروريًا للاستقرار السياسي وترسيخ الممارسة الديمقراطية.
مشاركة منظمات دولية أضافت بُعدًا إنسانيًا وتنمويًا للنقاشات.
ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في تركيا اعتبرت أن المنتدى يمثل منصة فعالة لبناء جسور التعاون الدولي في مواجهة التحديات الإنسانية المتصاعدة.
على امتداد أيامه من 17 إلى 19 أبريل، يُتوقع أن يشهد المنتدى سلسلة من اللقاءات الثنائية ومتعددة الأطراف، قد تسهم في تقريب وجهات النظر بين عدد من العواصم المتباعدة سياسيًا، في لحظة دولية تتزايد فيها القناعة بأن الحلول العسكرية وحدها لم تعد كافية، وأن الدبلوماسية متعددة المسارات تظل الخيار الأكثر واقعية لإدارة الأزمات المعقدة.
بهذا الزخم السياسي وتنوع الملفات، يعكس منتدى أنطاليا هذا العام صورة مكثفة لعالم يبحث عن مخارج تفاوضية لأزمات متشابكة، تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع أمن الطاقة والملاحة البحرية، وتتصدر فيها الوساطات ومحاولات خفض التوتر واجهة العمل الدبلوماسي الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك