(ماجستير في القانون الخاص ـ جامعة عين شمس)بينما ننشغل بتفاصيل حياتنا اليومية، هناك ثورة صامتة تدور خلف أبواب المختبرات العالمية، ثورة لم تعد تكتف بعلاج الأمراض، بل بدأت تعيد صياغة الإنسان نفسه! نحن الآن نعيش عصر ما بعد الإنسان؛ حيث يسعى العلم لدمج الرقائق الإلكترونية بالعقل البشري وتعديل الصفات الوراثية لتصميم أجيال بقدرات خارقة.
فهل نحن على أعتاب نهاية زمن البشر العاديين؟ وكيف يرى الدين والقانون هذا التغول العلمي على الفطرة البشرية؟تعد تقنية واجهة الدماغ والحاسوب من أخطر التحولات التقنية؛ وهي عبارة عن شرائح إلكترونية تُزرع داخل الجمجمة لربط الخلايا العصبية بالذكاء الاصطناعي.
ورغم أن الهدف المعلن في البداية كان إنسانياً نبيلاً كتمكين المصابين بالشلل من الحركة أو الرؤية، إلا أن الطموح الآن تجاوز ذلك بمراحل؛ إذ يبحث العلماء عن وسيلة لرفع قدرة الذاكرة البشرية، وتحميل المعلومات من الإنترنت مباشرة إلى المخ، ليتحول الكيان البشري إلى ما يشبه جهازاً فائق السرعة، تذوب فيه الحدود بين الوعي الطبيعي والبيانات الرقمية.
وعلى الجانب الآخر، تبرز تقنية “كريسبر”، وهي بمثابة مقص جيني يسمح بتعديل الحمض النووي؛ حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على منع الأمراض الوراثية، بل هناك تجارب تسعى لتعديل جينات القوة البدنية، والذكاء، وحتى لون العينين وشكل الجسد.
نحن أمام سوق للجينات قد يخلق في المستقبل طبقة من البشر المطوَّرين يملكون كل شيء، مقابل طبقة البشر العاديين الذين لا يملكون ثمن هذه التكنولوجيا.
وسط هذا السباق المحموم، يقف القانون والأخلاق كحائط صد أخير، فالمجتمع الدولي بدأ يستشعر الخطر، وتبرز هنا إشكاليات قانونية كبرى، منها الجناية على الكرامة البشرية؛ حيث تنص اتفاقية “أوفيدو” لحقوق الإنسان والطب الحيوي على أن أي تعديل في الجينوم البشري يهدف لنقل صفات معدلة للأجيال القادمة هو انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية.
وتبرز أيضاً معضلة الموافقة المستنيرة؛ فكيف يمكن لطفل معدل جينياً أن يوافق على تغيير طبيعته قبل ولادته؟ هذا يفتح باباً قانونياً معقداً حول حقوق الأجيال القادمة في امتلاك ميراث جيني طبيعي.
كما يرى فقهاء القانون أن السماح بتجارة الجينات سيؤدي إلى نوع جديد من التمييز العنصري البيولوجي، حيث تشرع القوانين الحالية في منع “اليوجينيا” لمنع ظهور مجتمعات طبقية تعتمد على التفوق الجيني لا الكفاءة الإنسانية.
وهنا يأتي السؤال الجوهري الذي يشغل بال القارئ العربي والمسلم: هل يتدخل العلم في خلق الله؟ وهل هذا حرام شرعاً؟ القرآن الكريم كرم الإنسان في أحسن تقويم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.
ومن هنا، يفرق علماء الدين والفقهاء بين أمرين: العلاج والترميم، وهو جائز بل ومندوب إليه، فالتداوي مأمور به شرعاً، واستخدام الشرائح لعلاج الشلل أو فقدان البصر هو من باب إحياء النفس واستخدام العلم لما ينفع الناس.
أما تغيير الفطرة والعبث بالخلق، فهنا تكمن الخطورة؛ فالعلم الذي يهدف لتغيير خلق الله بدافع الغرور أو خلق جنس بشري جديد يقع تحت طائلة التحذير القرآني من اتباع خطوات الشيطان الذي قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
إن محاولة تطوير الإنسان ليصبح إلهاً أو ليتجاوز قدراته الفطرية التي حددها الخالق، هي منطقة محفوفة بالمخاطر الأخلاقية والدينية، لأنها قد تفتح الباب للظلم الاجتماعي ولخلل في التوازن البيولوجي الذي وضعه الله في الكون.
إن العلم ما وُجد ليكون غاية في ذاته، بل كان دوماً وسيلة لخدمة الوجود الإنساني وصيانة جوهره، وإن أي محاولة للتمرد على الفطرة السوية أو العبث بالبنيان الإلهي الذي كرمه الله، هي مغامرة غير مأمونة العواقب تورد البشرية موارد الهلاك.
فجمال الإنسان يكمن في نقصه الذي يكمله السعي، وفي ضعفه الذي تهذبه الروح، وليس في قوالب حديدية أو صبغات مخبرية صماء.
فليكن العلم خادماً للطبيعة لا سيداً عليها، ولنتذكر دائماً أن كرامة الآدمي في جوهره الروحي، لا في كفاءته الآلية، ليبقى الإنسان إنساناً كما أراده خالقه؛ حراً، مُكرَّماً، ومستخلفاً في الأرض بالحق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك