في خضم المشهد السوداني المأزوم، لم يعد السؤال التقليدي حول “من صنع هذه الكيانات؟ ” كافياً لتفكيك لغز التضخم الكياني الذي يملأ الفضاء العامإن السؤال الأكثر إلحاحاً، والأشد خطورة، هو ما الذي يجعل “المصنوع” يبدو حقيقياً ومقنعاً إلى هذا الحد؟ هذا التحول في زاوية النظر ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة وجودية لفهم طبيعة الانسداد الراهنفالتركيز على “الصانع” وحده يقودنا إلى دهاليز نظرية المؤامرة وتجاهل “البيئة الحاضنة”، بينما البحث في هذه البيئة هو ما يكشف لنا لماذا تنجح هذه الهياكل الكرتونية في حجز مقاعدها على طاولة الفعل السياسيأري هنا ما يحدث هو فراغ المعنى.
حين تسقط الدولة وتضيع المعاييريعيش السودان اليوم حالة “فراغ شامل” تتجاوز مجرد غياب السلطة لتصل إلى فراغ المعنى ذاته.
لقد تآكلت شرعية النخب المدنية، وفقدت الأحزاب التقليدية قدرتها التاريخية على الحشد والتعبئة، وتراجعت الدولة كفكرة ومؤسسة حتى غابت عن مساحات شاسعة من الجغرافيا والوجدانفي هذا الفراغ، لا يحتاج “الكيان المصنوع” إلى جذور ضاربة ليبدو حقيقياً؛ يكفي فقط أن يتقن فن “المسرحة السياسية” لغة منظمة، حضور واثق، وقدرة على ملء المساحات الشاغرةلقد تحولت السياسة من “صراع برامج” إلى “تنافس على الظهور”، حيث يُعرف الفاعل السياسي بقدرته على إصدار البيانات وتنظيم المؤتمرات، لا بحجم قواعده الاجتماعية أو امتداده الشعبيوهنا اقول من التمثيل إلى “القابلية”.
معايير مشوهة للشرعية وتكمن الأزمة الحقيقية في “القابلية” الاجتماعية والسياسية لتصديق كيانات بلا جذور، ويعود ذلك إلى عوامل متراكبة , تفكك الأطر التقليدية انقسام الأحزاب الكبرى ونخبويتها المفرطة خلقا فجوة عميقة بين “الشارع” و”المنصة”وفي هذه الفجوة، ضاعت المعايير التي كانت تميز القوى الحقيقية عن المصنوعة، فأصبح الظهور الإعلامي بديلاً عن التمثيل الديمقراطيسطوة الرقمية و”اقتصاد السياسة” في عصر المنصات الرقمية، يمكن لمجموعات محدودة أن تصنع حضوراً مضخماً وضجيجاً يمنح انطباعاً زائفاً بالثقل السياسي.
وبدعم من “اقتصاد السياسة” والتمويل المرتبط بأجندات معينة (محلية أو خارجية)، أصبح “الاستمرار في الظهور” هو المعيار الأوحد للشرعية، متجاوزاً أسئلة الجذور والقاعدة الجماهيريةأين فخ الواقع المفروض والمواطن المنهكإن المواطن السوداني المنهك، الذي فقد الثقة في المنظومات التاريخية، بات يتعامل مع هذه الكيانات “كأمر واقع” , و هو لا يصدقها بالضرورة، لكنه في الوقت نفسه لا يجد “البديل الحقيقي” الذي يملأ الفراغهذا المواطن قد لا يمنحها شرعية أخلاقية، لكنه يتعامل مع وجودها كحقيقة مفروضة في غياب أي بديل ملموس وهنا تكمن المفارقة الكبرى إن انشغالنا بـ”فضح المصنوع” فقط لن يؤدي إلى اختفائه، طالما أن البيئة التي أنتجته ما زالت خالية من المؤسسات الصلبة والأحزاب القوية والمجتمع المدني المتماسكاستعادة السياسة ببناء “الحقيقي” لا بكشف “المصنوع”لا يمكن هزيمة “المصنوع” عبر كشف زيفه فحسب، بل عبر بناء “الحقيقي”إن السودان لا يعاني من فائض في المؤامرات بقدر ما يعاني من نقص حاد في الأجسام السياسية ذات المعنى والمحتوى الأخلاقي والبرامجي إن أخطر ما يواجهنا اليوم ليس هشاشة هذه الكيانات في حد ذاتها، بل قدرتها على إقناعنا—وعلى إقناع المجتمع الدولي—بأنها تمثل شيئاً ذا قيمةفي استعادة السياسة الحقيقية في السودان لا تبدأ بسؤال “من صنع هذه الكيانات؟ ” بل بسؤال أعمق هو كيف نعيد بناء بيئة سياسية ومجتمع مدني متماسكين، تكون فيه الجذور والشرعية الشعبية والمعايير الواضحة هي المصفاة الوحيدة التي لا تسمح للمصنوع أن يمر، أو أن يبدو حقيقياً من الأساس؟ لأن استعادة المعنى هي الطريق الوحيد لهزيمة تزييف الواقع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك