(دكتوراه الإعلام الرقمي ـ جامعة عين شمس)لم تعد الحرب، في صورتها المعاصرة، مجرد مواجهة عسكرية تُقاس بخرائط السيطرة وحدود النفوذ، بل تحولت إلى ظاهرة مركبة تتجاوز الميدان، لتستقر في مساحة أكثر تعقيدًا: العقل البشري.
ففي ظل الثورة الرقمية وتسارع تدفق المعلومات، لم يعد كسب الأرض هو الغاية النهائية، بل أصبح تشكيل الإدراك العام هدفًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن أي تقدم ميداني.
*هندسة الوعي: المعركة غير المرئية*أحد أبرز تحولات الحروب الحديثة يتمثل في الانتقال من “احتلال الأرض” إلى “احتلال العقول”.
فالأطراف المتصارعة لم تعد تعتمد فقط على القوة الصلبة، بل توسعت في استخدام أدوات التأثير الناعم، وعلى رأسها الإعلام.
تُدار هذه المعركة عبر صياغة روايات متباينة للحدث الواحد، توجيه الرسائل الإعلامية وفق أهداف استراتيجية، وتوظيف الصور والمقاطع المصورة لإثارة مشاعر محددة.
وهو ما يندرج ضمن ما يُعرف بـ الحرب النفسية، حيث يصبح الهدف هو التأثير على معنويات الخصم، اتجاهات الرأي العام، وإدراك الجمهور لطبيعة الصراع ذاتهوفي هذا السياق، قد لا يكون السؤال: ماذا حدث؟ بل: كيف فُسِّر ما حدث؟*الإعلام الرقمي: سلاح يتجاوز الحدود*مع صعود المنصات الرقمية، لم تعد الدولة وحدها هي من يملك أدوات التأثير، بل أصبح كل مستخدم محتملًا أن يكون “ناقلًا للرواية”.
هذا التحول خلق بيئة جديدة تتسم بـ:▪️سرعة انتشار المعلومات (والشائعات)▪️صعوبة التحقق من المحتوى▪️تداخل الحقيقة مع التفسيرفصورة واحدة، أو مقطع قصير، قد يعيد تشكيل موقف ملايين الأفراد خلال ساعات، ما يجعل من الفضاء الرقمي ساحة حرب موازية… لا تقل تأثيرًا عن الميدان.
*حروب بلا نهاية: لماذا يغيب الحسم؟ *رغم التطور العسكري الهائل، تميل الحروب الحديثة إلى الامتداد الزمني، وتبتعد عن فكرة “النهاية الحاسمة”.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل متشابكة:▪️توازن القوى: حيث لا يستطيع أي طرف تحقيق تفوق كاسح▪️تشابك المصالح: ارتباط النزاعات بأجندات إقليمية ودولية▪️تعدد الفاعلين: دخول أطراف غير تقليدية في مسار الصراعهذا التعقيد يحوّل الحرب من حدث مؤقت إلى حالة مستمرة، تتغير فيها الوتيرة.
لكن لا تنتهي بشكل واضح.
*بين القوة الصلبة والناعمة*تعكس الحروب الحديثة تداخلاً واضحًا بين القوة الصلبة (العسكرية) والقوة الناعمة (الإعلام، الخطاب، التأثير النفسي)ولم يعد الانتصار مرهونًا بمن يسيطر على الأرض فقط، بل بمن ينجح في فرض روايته، كسب تعاطف الجمهور، والتأثير في إدراك المتابعين.
وهو ما يجعل من “إدارة الصورة” أحيانًا لا تقل أهمية عن “إدارة المعركة”.
وختاماً.
الحرب اليوم لم تعد تُخاض فقط بالأسلحة، بل بالأفكار، والصور، والروايات.
إنها صراع على المعنى، بقدر ما هي صراع على الأرض.
وفي عالم تتداخل فيه الحقيقة مع التأويل،يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول… وربما الأخير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك