لا يمكن أن يختزل الإبداع في رقم، ولا أن تغلق أبوابه عند سن بعينها، ففكرة أن يبلغ المبدع الستين، فيقال له: شكراً، انتهى دورك… أو يمنع حتى من الترشح لقيادة مؤسسة فنية، هي فكرة لا تتسق مع طبيعة الفن ولا مع جوهر الكتابة ولا مع روح الإبداع نفسها.
ومن هنا، تأتي أهمية إعادة النظر في فلسفة «سن المعاش» حين يتعلق الأمر بإدارة الفنون والمهن الإبداعية.
هناك مهن لا يجوز التعامل معها بعقلية الموظف الحكومي التقليدي، وعلى رأسها المهن المرتبطة بالإبداع وإدارته، فإدارة مؤسسة فنية ليست مجرد توقيع أوراق أو متابعة لوائح، بل هي رؤية، وخبرة تراكمية، وقدرة على الإلهام وصناعة مناخ يسمح بالابتكار.
وهذه الصفات لا تنضج غالباً إلا مع الزمن، بل تبلغ ذروتها بعد سنوات طويلة من التجربة.
في خضم حالة الجدل التي صاحبت ترشيحات رئاسة دار الأوبرا المصرية مؤخراً، والمرشحون لها، طفت على السطح نغمة متكررة، تعمل على إقصاء أصحاب الخبرات ممن تجاوزوا سن الستين، وكأن الإبداع يُقاس بسنوات العمر، أو أن العطاء الفني والإداري يتوقف عند رقم بعينه.
هذه النظرة، في تقديري، تحتاج إلى مراجعة جادة، خاصة حين يتعلق الأمر بمناصب ذات طبيعة خاصة، تقوم في جوهرها على التراكم المعرفي والخبرة الممتدة، لا على حسابات الوظيفة التقليدية.
نحن هنا لا نتحدث عن وظيفة روتينية تخضع لقوانين الخدمة المدنية، بل عن مواقع قيادية في مؤسسات تصنع الوعي وتدير الإبداع، مثل دار الأوبرا، والمسرح، والمجلس الأعلى للثقافة، بل وحتى قطاعات الصحافة والتليفزيون.
هذه المؤسسات لا يمكن أن تدار بعقلية البدايات، بل تحتاج إلى قادة امتلكوا عبر سنوات طويلة أدواتهم، يعلمون تفاصيل المشهد، واختبروا النجاح والإخفاق، حتى صاروا قادرين على اتخاذ القرار بثقة ووعي.
رئاسة دار الأوبرا المصرية تحديداً، ليست مجرد منصب إداري، بل هي موقع يتطلب شخصية لها ثقل فني، ورؤية ثقافية، وقبول داخل الوسط الفني وخارجه.
رئيس الأوبرا يجب أن يكون مقنعاً للعاملين، ومصدر ثقة للجمهور، وقادراً على تمثيل مصر فنياً أمام العالم.
هذه المعايير لا تُكتسب في سنوات قليلة، بل هي حصيلة عمر كامل من العمل والتجربة.
ولعلنا نتذكر ما حدث عندما طرح اسم المايسترو نادر عباسي لتولي رئاسة البيت الفني للأوبرا، بعد تصعيد خالد داغر إلى رئاسة الأوبرا.
كان الاختيار منطقياً من حيث الكفاءة والسيرة المهنية، إلا أن عائق السن حال دون إتمام الأمر، رغم أن «عباسي» يمتلك من الخبرات ما يؤهله لقيادة المؤسسة بالكامل، وليس مجرد أحد قطاعاتها.
والنتيجة أن المنصب ما زال شاغراً حتى الآن منذ أربع سنوات.
المشهد يطرح تساؤلات حول جدوى التمسك الصارم بهذا الشرط.
الأمر لا يقف عند حدود الأوبرا، بل يمتد إلى كافة القطاعات الإبداعية.
هل من المنطقي أن نحرم المسرح من مخرج مخضرم، أو الأوركسترا من قائد عالمي، أو مؤسسة ثقافية من مفكر كبير، فقط لأنهم تجاوزوا سناً معينة؟ في الوقت الذي نرى فيه دولاً عربية تستقطب الخبرات المصرية في هذه المجالات، وتمنحها المساحة والتقدير، بينما نحن نقيدها بلوائح ربما لم تُصمم أصلاً لهذا النوع من العمل.
النموذج الأبرز الذي يجب أن نتوقف أمامه هو الدكتورة رتيبة الحفني، التي ظلت تدير مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية حتى آخر يوم في حياتها، ولم يكن ذلك استثناءً أو مجاملة، بل كان اعترافاً بقيمة خبرة نادرة، يصعب تعويضها.
وجودها لم يكن مجرد إدارة، بل كان ضمانة لنجاح الحدث واستمراريته.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في فلسفة «سن التقاعد» حين يتعلق الأمر بالمناصب الإبداعية.
لا أحد يطالب بإلغاء القوانين، لكن يمكن فتح استثناءات مدروسة، أو اعتماد نظام التعاقد، أو وضع معايير للكفاءة والخبرة تكون هي الفيصل، لا تاريخ الميلاد.
الإبداع لا يعرف سناً، والمهن الإبداعية بطبيعتها لا تعترف بفكرة المعاش.
الفنان الحقيقي، والمثقف الحقيقي، يظل قادراً على العطاء ما دام يمتلك الشغف والقدرة.
بل إن بعضهم يبلغ ذروة نضجه في مراحل متقدمة من العمر، حيث تتكامل الرؤية وتصفو التجربة.
إذا كنا نبحث عن مؤسسات قوية ومؤثرة، فعلينا أن نمنحها قادة بحجمها، لا أن نقصي أصحاب الخبرة تحت لافتة «السن»، فالمعادلة الحقيقية ليست كم عمر القائد، بل ماذا يملك من رصيد، وماذا يستطيع أن يقدم، وربما آن الأوان أن نُعيد طرح السؤال بشكل مختلف: هل نريد قيادات تناسب اللوائح… أم قيادات تصنع الفارق؟ وليس معنى ذلك إقصاء الشباب، بل على العكس، فالشباب الموهوب والمؤهل يجب أن يحصل على فرصته، لكن وفق معايير الكفاءة لا الأقدمية.
يمكن أن يكون هناك تدرج حقيقي، وصف ثانٍ مؤهل، يعمل جنباً إلى جنب مع أصحاب الخبرة، وليس بديلاً قسرياً عنهم.
إعادة النظر في هذه السياسات لم تعد رفاهية، بل ضرورة.
وقد يتطلب ذلك تدخلاً تشريعياً، أو على الأقل وضع معايير مرنة تتيح الترشح والاستمرار وفق الكفاءة والقدرة، لا وفق تاريخ الميلاد.
في النهاية، الإبداع لا يشيخ، والإدارة الثقافية لا تدار بالأرقام، بل بالعقول.
ومَن يملك الخبرة والرؤية، يجب ألا يقصى، بل يدعم، لأن الاستثمار الحقيقي في الفن هو الاستثمار في الإنسان القادر على صناعته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك