بين أروقة كليات الإعلام العريقة، تعلمنا أن الكلمة أمانة، وأن الخبر مقدس، والتعليق حر لكنه مسئول، درسنا أن الصحافة ليست مجرد مهنة لنقل المعلومات، بل هي سلطة رابعة تهدف لبناء العقلية الجمعية، وترسيخ الهوية، وحماية قيم الأمة، إلا أن المشهد الراهن يضعنا أمام تساؤل مرير وهو أين نحن الآن من تلك المبادئ التي صاغت وعي أجيال كاملة؟في علم الصحافة الذي درسناه، كانت المواثيق والمعايير هي العمود الفقري لأي عمل إعلامي، ولم يكن ميثاق الشرف الصحفي مجرد نصوص قانونية، بل كان التزامًا أخلاقيًا يحث على دقة المصدر أي التأكد من الخبر قبل نشره، والترفع عن الشائعات.
وأن هناك مسؤولية اجتماعية هدفها الحفاظ على السلم المجتمعي وحماية الخصوصية، غير أن اللغة الإعلامية الرصينة واستخدام مرادفات تعكس رقي الثقافة العربية، وتبتعد عن الابتذال كانت من أهم المبادئ التي تعلمناها في هذا المجال.
هذا العلم منح الصحفيين القدرة على التحليل العميق وربط المحاور ببعضها البعض، لتخرج المقالة أو التقرير كبناء متكامل يساهم في رقي الأمة وعفتها وكرامتها.
ومع بزوغ فجر الألفية الجديدة، بدأ المنحنى يتجه نحو الأسفل، دخلنا عصر الإعلام الجديد الذي يبدو أنه يسير في اتجاه مناقض تمامًا لكل ما تعلمناه، لقد تحولت الشاشة من وسيلة تنوير إلى أداة لدهس القيم تحت مسمى التريند وسرعة الانتشار.
وأصبح زلزال السوشيال ميديا يمثل الانهيار الأخلاقي واللغوي، فقد اختفت العبارات الجزلة واللغة الراقية التي كانت تزين أعمدة الصحف، وحلت محلها لغة مبتذلة تفتقر للحس المهني، وأصبحت المصطلحات" الشارعية" هي السائدة لجذب أكبر عدد من المشاهدات.
وتحت ضغط السبق الرقمي، تم تجاوز ميثاق الشرف الصحفي، ولم يعد هناك احترام للخصوصية، ولا اكتراث بدقة المعلومة بعد تحطيم المواثيق، فأصبحنا نعيش في فوضى عارمة تفتقر لأبسط قواعد الإنسانية.
وبدلًا من أن يكون الإعلام حائط صد لحماية هويتنا وتقاليدنا، أصبح قطار السوشيال ميديا يدهس الأصول والثوابت، ويرسم خارطة طريق مجهولة المعالم، غايتها الوحيدة هي الاستهلاك لا البناء.
هل هذا هو الإعلام الذي ننشده؟الإجابة تكمن في الواقع المرير؛ فنحن الآن أمام خطر حقيقي يهدد العقلية العربية والإنسانية.
إن ما يسمى بالإعلام الجديد يمثل مرحلة هي الأخطر في تاريخ المهنة، حيث تم استبدال القلم بـ" الخوارزميات"، والقيمة بـ" التفاعل".
إن العودة إلى الأصول المهنية ليست نوستالجيا أو حنينًا للماضي، بل هي ضرورة حتمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالميثاق الصحفي لم يوضع ليكون حبرًا على ورق، بل ليكون بوصلة تحمي الأجيال من الانجراف وراء تيار العبث المهني والأخلاقي.
وفي النهاية أعتقد أننا إذ لم نستفق ونعيد للصحافة هيبتها المستمدة من العلم والمواثيق، فسنظل نشاهد كوارث السوشيال ميديا وهي تحطم ما تبقى من قيم إنسانية ومهنية، في رحلة لا يعلم نهايتها إلا الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك