تبدأ «الحرب والجسد» بوصف يقدّمه أحد أبطالها عن حاله مسجّى في نعش تشاركه فيه جثة جنديّ قتيل.
هذه هي الطريقة الوحيدة الممكنة للخروج من المستشفى السرّي الذي يُحمل إليه الجنود المصابون.
لكننا سنتأخّر قليلا قبل أن نعرف في أي حرب يُصاب، أو يُقتل هؤلاء الجنود.
لكننا سنعرف لاحقا، وبالتدريج، أننا في الحرب السورية وأننا في عام 2011.
وسنعلم أن حياة ذلك الذي سيخرج من الكفن المختبئ فيه راويا تنقّله بين مختلف الأطراف المتحاربة وبينها، إضافة إلى الجيش، تيارات الصوفية والجماعات الإسلامية المقاتلة.
والكاتب سيزودّنا من أخبار تلك الأطراف بما نعرفه وبما لا نعرفه.
ذاك أن بطلنا سيتنقّل بينها سواء بنفسه، أو مكلّفا بطلا آخر القيام بهذه الأدوار.
ذاك أننا، في قراءتنا للرواية، يشقّ علينا أن ندرك أيّ الاثنين يدور حوله السرد، وأننا الآن نقرّأ عمن منهما.
لكن الرواية تأخذنا مع ذلك إلى مشاهد هي من القسوة والغرابة ما لم نقرأ مثله من قبل.
ذاك أنها لم تُضمّن فصولها شيئا مما كان قد كُتب من قبل.
أتذكّر هنا مشهد رجلنا، أيام كان جنديا في الجيش، وهو يعمل على تنظيف تمثال القائد الخالد، المرتفعة هامته ثلاثة أمتار.
لم يكن عند ذاك مصاحَبا بمشاعر الولاء، أو السخرية، فيما هو ينتقل من تنظيف الأذن إلى الأنف، إلى النظرة، لا العين، بل النظرة، موحيا لنا بما ليس هو السخرية المعتادة أو الترميز الشائع.
كان كما لو أنه، في هذا المشهد، وفي مشاهد أخرى عديدة، يدفع القراءة نحو أن تولّد فينا تصوّرات جديدة، وأفكارا جديدة، ليست حاسمة ولا نهائية، لكن تبدو كأنها تؤسّس لمواضع تخيّل جديدة في وعينا الأدبي.
وقد ضمّت الرواية إلى سياقها مخطوطة حملت الرواية عنوانها نفسه.
كان على الراوي – البطل أن يعمل على قراءتها وتصحيحها، أعني أن يجعلها مناسبة لفكر وعقيدة من كلّفوه بها.
أما في الرواية فما أريد منها أن تضيف بعدا جديدا إلى الوقائع التي نتنقل، نحن القراء، بينها.
وهذا، في ما أحسب، ما زاد الرواية تعقيدا، من دون أن يضيف إليها البعد الذي شاءه كاتبها، ذاك المتمثّل بإضافة أبعاد أخرى للسرد العادي فنكون، فيما نقرأ، نتداول ُحُجُبا تتكشّف عن حقائق جديدة، كلما انكشفت حجابا بعد حجاب.
ذاك أننا، كقرّاء، نظل حائرين في ردّ الفعل إلى فاعله، متسائلين إلى أيّ من شخصيات الرواية يعود، بل كثيرا ما يأخذنا الفصل الجديد إليه فيبعدنا عما كان في الفصل الذي سبقه، أقول الفصل وأنا أقصد الحكاية.
ذاك أننا نشعر في أحيان كثيرة أننا إزاء حكايات، أو قصص متفرّقة جرى ضمها إلى جسم رواية واحد.
كنا نظنّ أن الحكاية البديعة عن سلاما وأبيها عصمانو وزوجها حمد وأخوتها الثلاثة بلغت خاتمتها كقصة قصيرة، قبل أن ننتقل منها إلى حكاية حسين ومعاناته في السجن والختان الإجباري وأمور أخرى.
كل من هذه الفصول، أو الحكايات، كتبت جامعة بين الإبداع والدقّة، لكن مع ذلك أتعبتنا في قراءتنا للسرد متسلسلا، فكان علينا أن نتساءل، مع كل فصل جديد، من هو صاحبه وإلى أي الشخصيّات يعود، بل ربما ينضاف إلى التساؤل ذاك ترافق الأخطاء اللغوية في النص، مع تلك الدرجة من التمكّن الأدبي والتخيّلي، متسائلين هذه المرة إن كان ذاك التباين يرجع إلى أن ما قرأته هو المخطوط ما قبل الأخير للرواية.
لكن يمكن للقارئ االفطن أن يصحّح الخطأ العابر إلى ما كان ينبغي له أن يكون، وإن راح، في ما سيقوم بذلك، يزداد ارتباكا في ما يتعلّق بتسلسل القراءة.
ولا تفلح مقالة صحافية في إظهار ذلك التفاوت بين قوة إبداع الرواية، وتراوح قراءتها بين الإحكام والتبعثر.
لكن يبقى أن ما يستقر في الذهن منها هو قوة مشاهدها وفصولها، تلك التي تشكل عادة بؤر الضوء في العمل الروائي.
تلك البؤر الكاشفة التي لا تأتي مع التجربة ودوام المحاولة، فهي إما تكون مركوزة في وعي الكاتب، وإما لا تكون.
صدرت الرواية من حوالي خمس سنوات، وها إنني أعرف بصدورها، متأخرا هكذا من الصديق علي جازو.
لم تعد الروايات تلقى الرواج الذي تستحقّ.
أسباب كثيرة يمكن أن تُساق لتفسير ذلك، لكن، على أي حال، سقى الله أيام ما كانت الأعمال المستحقة تشقّ طريقها بنفسها.
*رواية عماد مفلح مصطفى «الحرب والجسد» صدرت عن دار العين في 254 صفحة – سنة 2021.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك