تونس – «القدس العربي»: اتهمت الحقوقية سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة «الحقيقة والكرامة»، السلطات التونسية بالتنكيل بها عبر محاكمتها بتهم اعتبرتها زائفة، في وقت دعت فيه منظمات حقوقية إلى إسقاط هذه التهم والتوقف عن توظيف القضاء لتقويض مسار العدالة الانتقالية.
واتهمت بن سدرين، في فيديو تم تداوله بشكل واسع على موقع فيسبوك، ما سمته «دولة البوليس»، بمحاولة الإساءة إلى سمعتها عبر «تلفيق تهم مزيفة تتعلق بالفساد وسوء الحوكمة»، مشيرة إلى أن عدد القضايا المرفوعة ضدها بلغ سبع قضايا.
وأضافت: «لم يكفهم التنكيل بي خلال سجني لسبعة أشهر.
بل أقالوا قاضي التحقيق الذي رفض سجني سابقا لأنه لم يجد في الملف ما يدينني.
ولم يكن هناك سوى شاهدة مزيفة وأدلة مزورة وملفات فارغة فنّدتها هيئة الدفاع وأكدت براءتي (…) لم يعد هناك قضاء في تونس، بل دولة بوليس».
وكان قاضي التحقيق في القطب القضائي الاقتصادي والمالي في العاصمة، قرر الثلاثاء، تأجيل استجواب بن سدرين السادس والعشرين من أيار/ مايو المقبل، مع الإبقاء عليها في حالة سراح.
وتتعلق القضايا بإجراءات مصالحة نظمتها الهيئة بين الدولة التونسية وعدد من رجال الأعمال المتهمين بقضايا فساد.
وأعربت منظمة محامون بلا حدود عن قلقها البالغ إزاء محاكمة بن سدرين، معتبرة أن الدعاوى المقدمة ضدها تأتي «في سياق التشكيك في عملية العدالة الانتقالية ونزع الشرعية عن عمل اللجنة، ولا سيما تقريرها النهائي، والتعويضات الممنوحة للضحايا، ولوائح الاتهام المقدمة إلى دوائر العدالة الانتقالية المتخصصة، والتي تشهد حاليًا جمودًا شبه تام».
ودعت، في بيان على موقع فيسبوك، السلطات التونسية إلى «إسقاط جميع التهم الموجهة ضد سهام بن سدرين وزملائها، وحماية حقوق الضحايا، ومتابعة عملية المساءلة بشكل موثوق أمام المحاكم المتخصصة، وتنفيذ الإصلاحات الموصى بها في تقرير لجنة «الحقيقة والكرامة» لتعزيز سيادة القانون».
واعتبر مرصد الحرية لتونس أن الملاحقات القضائية ضد بن سدرين تندرج «في سياق الجدل المتواصل حول مسار العدالة الانتقالية، الذي انطلق بعد سنة 2011 بهدف كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وجبر ضرر الضحايا.
وقد لعبت هيئة «الحقيقة والكرامة»، التي ترأستها بن سدرين، دورًا محوريًا في هذا المسار، من خلال إصدار تقريرها الختامي وإحالة عدد من الملفات إلى القضاء، إلى جانب اتخاذ قرارات تحكيمية في قضايا مالية معقدة».
واعتبر أن هذا المسار «شهد خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا خصوصا بعد الاجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو/تموز 2021، سواء على مستوى تنفيذ توصيات الهيئة أو عمل الدوائر القضائية المختصة، في ظل انتقادات متزايدة بشأن استهداف رموزه ومخرجاته عبر ملاحقات قضائية».
ودعا إلى «وضع حد لجميع الملاحقات القضائية المرتبطة بمهام سهام بن سدرين داخل هيئة «الحقيقة والكرامة»، وضمان عدم توظيف القضاء لمراجعة أو تقويض مخرجات مسار العدالة الانتقالية، واحترام استقلالية القضاء المختص بالعدالة الانتقالية وتمكينه من مواصلة عمله دون تدخل».
كما دعا إلى «صون حقوق الضحايا وضمان تنفيذ قرارات جبر الضرر الصادرة لفائدتهم، ومواصلة مسار العدالة الانتقالية وفق المعايير الدولية، بما يضمن الحقيقة والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب».
واعتبرت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات أن بن سدرين «تواجه ملاحقات قضائية بصفة شخصية على خلفية قرارات وأعمال مارستها في إطار مهامها الرسمية كرئيسة هيئة «الحقيقة والكرامة»، واعتبرت أن «هذه الملاحقات تندرج ضمن ممارسات ممنهجة تُوظَّف فيها السلطة القضائية لاستهداف رؤساء ورئيسات الهيئات الدستورية السابقين والتنكيل بهم، وهو ما يُمثّل خرقًا صريحًا لمبدأ عدم المؤاخذة الذي يحمي أعضاء وعضوات الهيئة فيما يتعلق بالأعمال المرتبطة بمسار العدالة الانتقالية، كما يُعدّ تقويضًا خطيرًا لمكتسبات استقلالية هذه الهيئات وضمانات حمايتها من الضغوطات السياسية».
كما عبّرت في السياق عن قلقها إزاء «الارتدادات الخطيرة لتوظيف القطب القضائي المالي كأداة لتصفية الحسابات وهرسلة (التضييق على) الشخصيات التي اضطلعت بمهام وطنية جسيمة»، واعتبرت أنّ تحويل قاعات المحاكم إلى ساحات للتنكيل والانتقام يُعدّ ضربًا للحقوق والحريات واغتيالًا ممنهجًا لأسس دولة القانون».
ورأت أنّ «الملاحقات الكيدية التي تُحوّل الالتزام بتطبيق القانون إلى تهمة موجبة للعقاب، تمثّل إعلانًا صريحًا عن انهيار منظومة الحقوق والحريات، حيث إنّ ملاحقة المسؤولين والمسؤولات على خلفية ممارستهم لصلاحياتهم القانونية والوظيفية يُعدّ انحرافًا خطيرًا في السلطة، ويقلب موازين العدالة ليصبح إنفاذ القانون جريمة تُستغل للتنكيل بالفاعلين والفاعلات في الشأن العام».
وطالبت بالوقف الفوري لكافة هذه الملاحقات الممنهجة، ودعت السلطات القضائية إلى الاضطلاع بدورها في حماية القانون، وضمان عدم تحويل مسار المحاسبة إلى غطاء لتصفية الخصوم»، مؤكدة أنّ «دولة القانون والمؤسسات لا تُبنى بالترهيب القانوني، بل باحترام المكتسبات، في ظل عدالة مستقلة ومنصفة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك