وجه المجلس الأعلى للدولة رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بشأن" انحراف مسار عمل البعثة الأممية"، طالبه فيها بضرورة تصويب مسار عملها.
جاء ذلك عقب جلسة" طارئة" عقدها المجلس، اليوم الأربعاء، بمشاركة قرابة 100 عضو، لمناقشة اتجاه البعثة الأممية نحو تبني مقترح" الطاولة المصغرة" للحوار السياسي، بالتماهي مع المقاربة الأميركية الرامية إلى إنشاء سلطة سياسية موحدة تضم سلطتي حكومة الوحدة الوطنية وقيادة خليفة حفتر.
وانتهت جلسة المجلس إلى التأكيد على أن مضي البعثة الأممية نحو تبني مقترح" الطاولة المصغرة" يعد إخراجاً للمجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب من المشهد السياسي، وقرر أن تخاطب رئاسة المجلس الأعلى للدولة غوتيريس بشأن" انحراف مسار عمل البعثة الأممية".
وفي نص المراسلة الموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أعرب المجلس عن قلقه إزاء ما وصفه بـ" التطورات الأخيرة التي تشهدها العملية السياسية في ليبيا"، مشيراً إلى أن المجلس رصد" ممارسات غير مسبوقة للبعثة الأممية" قال إنها باتت تمس بجوهر دور البعثة القائم على" تيسير" الحوار، واتجهت نحو" فرض مسارات بديلة تتجاوز المؤسسات الشرعية".
وأوضح المجلس أن العملية السياسية في ليبيا تستمد شرعيتها من الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات عام 2015، إلى جانب قرارات مجلس الأمن الدولي، غير أنه اعتبر أن البعثة الأممية" بدأت تتخذ خطوات أحادية الجانب" لا تنسجم مع هذه المرجعيات، وأشار في المراسلة إلى ما وصفه بتجاهل البعثة للتفاهمات المباشرة بين مجلسي الدولة والنواب، ومن بينها" إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات"، معتبراً أن الاتجاه نحو" تشكيل لجان محدودة المهام والصلاحيات تفتقر للغطاء القانوني والشرعي" من شأنه أن" يعمق حالة الانسداد السياسي" في البلاد.
وأكد المجلس الأعلى للدولة حرصه على استمرار التعاون مع الأمم المتحدة، محذراً في الوقت نفسه من أن" استمرار البعثة في هذا النهج الإقصائي للمؤسسات والاحتضاني للمشاريع غير الوطنية سيؤدي إلى تقويض ما تبقى من فرص للوصول إلى حل سلمي مستدام".
كما دعا المجلس الأمين العام للأمم المتحدة إلى التدخل المباشر لـ" تصويب مسار عمل البعثة الأممية وإلزامها بالتقيد الحرفي بولايتها المحددة بقرارات مجلس الأمن"، مشدداً على ضرورة تعامل البعثة مع" المؤسسات الشرعية القائمة" بما يضمن" حماية المسار الديمقراطي ومنع انزلاق البلاد نحو دوامة جديدة من الانقسام أو الحكم الشمولي".
وجاءت الجلسة قبل بدء رئيسة البعثة الأممية هانا تيتيه تقديم إحاطتها أمام أعضاء مجلس الأمن، المقررة اليوم الأربعاء، لاستعراض مستجدات المشهد السياسي في البلاد، وضرورة دعم خريطة الطريق لدفع العملية السياسية نحو التوافق، وتوضح فيها موقف البعثة من الأنباء المتداولة حول تقارب خريطة الطريق السياسية مع المقاربة الأميركية.
وعلى الرغم من أن البعثة الأممية أعلنت، في أغسطس/آب الماضي، خريطة طريق للحل السياسي من مرحلتين، أسندت الأولى منها إلى مجلسي النواب والدولة، وتتمثل في تعديل القوانين الانتخابية وتهيئة المفوضية العليا للانتخابات للعمل، فيما خصصت المرحلة الثانية للجنة تضم 120 عضواً من مختلف الشرائح السياسية والمجتمعية لصياغة توصيات تمهّد لإجراء الانتخابات ومعالجة تحدياتها، تحت مسمى" الحوار المهيكل"، فإنها لم تشر سابقاً إلى إمكانية تقليص المفاوضات إلى" طاولة مصغرة".
وبرز الحديث عن" الطاولة المصغرة" خلال الأيام القليلة الماضية، عقب تسريبات تداولتها مواقع إخبارية ليبية بشأن مراسلة وجهتها البعثة إلى كل من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة خليفة حفتر، طالبت فيها بترشيح ممثلين عنهما للمشاركة في" طاولة مصغرة" لمناقشة القضايا العالقة المرتبطة بتنفيذ خريطة الطريق.
كما أفادت مصادر مقربة من لجنة الحوار المهيكل، في تصريحات سابقة لـ" العربي الجديد"، بأن المراسلة الموجهة إلى الطرفين اقترحت أن تضم الترشيحات أعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وهو ما استجاب له الطرفان، إذ تضمنت ترشيحات حكومة طرابلس شخصيتين من مجلس الدولة، فيما شملت ترشيحات قيادة حفتر شخصيتين من مجلس النواب.
وعلى خلفية تقاطع فكرة" الطاولة المصغرة" مع المقاربة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس من خلال مفاوضات مباشرة بين ممثلين عن سلطتي طرابلس وبنغازي منذ عدة أشهر، نجحت في دفع الطرفين إلى توقيع اتفاق لتوحيد الميزانية المالية للدولة في العاشر من إبريل/نيسان الجاري، إضافة إلى مشاركة قوتين تابعتين لهما في تدريبات عسكرية رعتها قوات" أفريكوم" بمدينة سرت الأسبوع الماضي تحت شعار توحيد المؤسسة العسكرية، فيما يُنتظر عقد اجتماع مباشر جديد في واشنطن بين الطرفين لبحث توحيد السلطة، أبدت أطراف ليبية اعتراضات واسعة على توجه البعثة الأممية نحو تبني المشروع الأميركي.
وفي هذا السياق، أصدر المجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، الاثنين الماضي، بيانين منفصلين طالبا فيهما البعثة بتقديم توضيحات عاجلة بشأن مساعيها لعقد" طاولة مصغرة"، معتبرين أن ذلك يمثل تجاوزاً غير شفاف للأطر الرسمية، ويقوض الثقة ويهدد بتعقيد المشهد السياسي.
وأعلن المجلس الرئاسي رفضه لطرح" حوار مصغر" بصورة غير رسمية وبصيغة غير متوازنة، محذراً من دفع الأوضاع نحو" مسارات غير محسوبة".
من جانبه، اتهم المجلس الأعلى للدولة البعثة و" بعض الأطراف الدولية" بمحاولة" فرض شخصيات وصياغات تهدف إلى السيطرة على السلطة وموارد الدولة".
وفيما بدا، من خلال موقفي المجلسين، وجود انقسام داخل معسكر غرب البلاد، خيّم الصمت على مجلس النواب، الذي لم يصدر عنه أي موقف رافض أو أي مطالبة بتوضيحات.
وفي تفاصيل خطوة إنشاء" الطاولة المصغرة"، أفادت المصادر المقربة من لجنة الحوار المهيكل، في تصريحاتها السابقة لـ" العربي الجديد"، بأن هذه الطاولة لن تقتصر على ممثلي الطرفين فقط، بل ستشمل شخصيات أخرى يرجّح أن تكون من بين أعضاء الحوار، موضحة أن الهدف من هذه الخطوة يتمثل في استيعاب الخطة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، والرامية إلى تحقيق تقارب بين سلطتي طرابلس وبنغازي وصولاً إلى تشكيل سلطة موحدة.
وفيما أكدت المصادر أن هذه الطاولة هي ذاتها التي لمّحت إليها رئيسة البعثة الأممية هانا تيتيه سابقاً، ووصفتها بـ" النهج البديل"، أوضحت أن الفكرة الأساسية لهذا التوجه تقوم على هدفين: " عدم استبعاد مجلسي النواب والدولة بالكامل"، وفي الوقت ذاته" عدم منح رئاستيهما دوراً كاملاً في مسار التفاوض"، إلى جانب إشراك حكومة الوحدة الوطنية وقيادة حفتر في الشرق والغرب.
وبحسب ما تعكسه الأجواء داخل البعثة، أفادت المصادر بأن مراسلة طرابلس وبنغازي جاءت عقب نقاشات بين تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري، الدبلوماسية الأميركية السابقة، التي دفعت نحو هذا الخيار بوصفه مقاربة تهدف إلى" احتواء المسار الأميركي" ضمن الإطار الأممي، بدلاً من تركه يتحرك بصورة موازية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك