تفاصيل فعاليات الملتقى العلمي الأول لدار الكتب والوثائق القوميةأيمن فؤاد يستعرض كيف تحول استدراك المخطوطات التركية إلى أكبر موسوعة لتاريخ التراث العربي؟أحمد مجدي: الانضباط المنهجي في الأصول بين سيبويه والأخفشصباح صابر: المصطلحات لغة القوة وأداة توجيه الإدراك في الخطاب العالميصالح محمد سيف: الأهرام سجل وطني لمرحلة استقلال السودان (1950 - 1955)نوريس محمد: الكتاب جسر حضاري والتفاعل المصري الفرنسي صاغ ملامح التحديثشهدت قاعة علي مبارك بدار الكتب والوثائق القومية، برئاسة الأستاذ الدكتور أسامة طلعت، انطلاق فعاليات" الملتقى العلمي الأول"، ضمن احتفالات الدار باليوم العالمي للكتاب، وسط حضور نخبة من القامات الفكرية والأكاديمية، وقد استهلت الجلسة الأولى أعمالها برئاسة الأستاذ الدكتور أيمن فؤاد السيد، الذي أدار النقاش ببراعة، مسلطاً الضوء على أهمية تضافر العلوم البينية والمصطلحية في تشكيل الوعي المعاصر، وتوثيق العلاقات التاريخية والوطنية.
شهدت الجلسة الأولى للملتقى العلمي الأول بدار الكتب والوثائق القومية طرحاً علمياً رصيناً قدمه الأستاذ الدكتور أيمن فؤاد سيد، تناول فيه تاريخ الأدب العربي والجهود الاستشراقية والإسلامية في فهرسة المخطوطات العربية، مسلطاً الضوء على المحطات الفارقة بين مشروع" كارل بروكلمان" وإنجاز" فؤاد سزكين".
أوضح الأستاذ الدكتور أيمن فؤاد سيد أن المستشرق الألماني كارل بروكلمان اعتمد في مشروعه على الفهرس الموضوعي لمخطوطات مكتبة الدولة في برلين، والذي وضعه المستشرق" ألوارت"، وهو ما دفع بروكلمان لمحاولة صياغة تاريخ للأدب العربي يشير إلى أماكن وجود النصوص والمخطوطات في مكتبات العالم، هذا العمل الذي أُنجزت نسخته الأولى عام 1902، تطور لاحقاً ليصبح مرجعاً ضخماً يتكون من خمسة أجزاء تشمل الأصول والملاحق.
وعلى صعيد التحول المعرفي في هذا المجال، استعرض الدكتور أيمن فؤاد سيد قصة العالِم التركي فؤاد سزكين، الذي بدأ رحلته تلميذاً للمستشرق" هلموت ريتر" في تركيا.
سزكين، الذي شرع في البداية لاستدراك ما فات بروكلمان من مخطوطات في المكتبات التركية، اكتشف وجود أخطاء وأوهام كثيرة في عمل سلفه، مما دفعه لاتخاذ قرار تاريخي بإنشاء كتاب مستقل تحت عنوان" تاريخ التراث العربي".
أشار الأستاذ الدكتور أيمن فؤاد سيد إلى التحديات التي واجهت سزكين في مطلع مشروعه، حيث شككت اللجان العلمية في قدرة فرد واحد على إنجاز هذا العمل الضخم، إلا أن صدور المجلد الأول عام 1967 بدّد تلك الشكوك وأثبت جدارته العلمية، واختتم كلمته بالتأكيد على أن سزكين نجح، بعد زيارات مكوكية لمعظم مكتبات العالم، في تصحيح المسار التاريخي للمخطوطات العربية، منجزاً 17 مجلداً ظلت مرجعاً أساسياً حتى وفاته عام 2018.
وفي ورقة عمل محورية بعنوان (لغة القوة: كيف تشكل المصطلحات الخطاب السياسي والاقتصادي والعسكري؟ )، أكدت أ.
د صباح صابر، أستاذ العلوم اللغوية بكلية البنات بجامعة عين شمس، أن المصطلحات ليست أدوات لغوية محايدة، بل هي قوة فاعلة تعيد بناء الواقع وتوجه إدراك المتلقين.
وأوضحت أن" التحكم في المصطلح يعني بالضرورة التحكم في الخطاب"، حيث تفرض القوى الكبرى مصطلحاتها لمنح شرعية أو تبرير لتوجهاتها.
وبينت د.
صباح أن اللغة العربية تمتلك إمكانات هائلة لاستيعاب التطورات المعرفية عبر آليات الاشتقاق والنحت والتعريب، محذرة في الوقت ذاته من دور الإعلام في نشر مصطلحات أيديولوجية تؤثر في الوعي العام.
واختتمت كلمتها بتوصيات هامة، أبرزها ضرورة التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والمجامع اللغوية لضبط المصطلحات، وإدراج" علم المصطلح" ضمن المناهج الدراسية كفرع من فروع علم اللغة التطبيقي.
من جانبه، استعرض الدكتور صالح محمد سيف، ما رصده في كتابه حول دور صحيفة" الأهرام" في تتبع الأحداث المفصلية بين مصر والسودان في الفترة من مطلع الخمسينيات وحتى استقلال السودان عام 1955م، وأوضح أن الأهرام اتبعت أسلوباً راقياً في إبراز دور مصر الوطني، وإدراكها لمسؤوليتها التاريخية تجاه الأشقاء في السودان، مع احترام حقهم في تقرير المصير، وهو ما وصفته الصحيفة حينها بأنه" الضربة الكبرى" للاستعمار البريطاني.
وأضاف د.
صالح أن رصد الأهرام لم يقتصر على الشأن السياسي والمفاوضات، بل امتد ليشمل الجوانب الاقتصادية، مثل الإشادة بإنشاء فرع لبنك مصر في الخرطوم، والجوانب الثقافية والدينية عبر تسليط الضوء على دور الأزهر الشريف في إنشاء المعاهد التعليمية ورعاية الطلاب الوافدين وأبناء جنوب السودان، مما جعل من الصحيفة مرآة صادقة للأحوال الاجتماعية والصحية والثقافية بين البلدين.
كما قدمت الدكتورة نوريس محمد، رؤية تاريخية حول الكتاب كجسر يمتد بين العقول، مستعرضة ملامح من كتابها حول" تاريخ الجالية الفرنسية في مصر (1882 - 1956)"، وأشارت د.
نوريس إلى أن الوجود الفرنسي في مصر كان كياناً فاعلاً أثر وتأثر بالمجتمع المصري، موضحة أن المطبعة التي خلفتها الحملة الفرنسية كانت النواة الحقيقية لمشروع التحديث في عهد محمد علي باشا.
كما سلطت الضوء على التأثيرات الثقافية الفرنسية في مجالات التعليم والسينما والمسرح، مشيرة إلى" تمصير" رواد المسرح المصري للأعمال الفرنسية، مثل نجيب الريحاني ومحمد تيمور، لتجعل منها نصوصاً تعكس روح المجتمع والوجدان المصري الساخر.
وقدم الدكتور أحمد مجدي، قراءة في العلاقة العضوية بين أصول الفقه وأصول النحو، مؤكداً أن كلاهما يسعى لتحقيق" الانضباط المنهجي" في فهم النص واستنباط القاعدة، وتناول في كلمته الموازنة الأصولية التي عقدها في دراسته بين" سيبويه والأخفش الأوسط"، مفسراً أن سر الاختلاف بينهما يكمن في تباين المناهج والأدلة المعتمدة.
وأكد د.
أحمد مجدي أن هذه الاختلافات المنهجية لم تكن ترفاً فكرياً، بل أثمرت فوائد كبرى امتدت لتشمل العلوم الشرعية واللغوية كافة، مما يعكس مرونة وقوة المنهج العلمي العربي في معالجة القضايا المعرفية الكبرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك