نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا تناولت فيه محاولات قوات الدعم السريع السودانية التحول إلى قوة عابرة للحدود، وكيف استفادت من دعم الدول القريبة للسودان وحشدت قدراتها المالية والعسكرية.
وأشارت في هذا الاتجاه، لسيطرة قوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، على مدينة الكرمك في جنوب شرق السودان.
فبعد يوم من القتال العنيف، سيطرت على البلدة المحاذية لإثيوبيا، ومثل بقية المعارك في السودان في الحرب الأهلية القائمة، لم تثر السيطرة على الكرمك انتباه أحد.
وترى المجلة أن المعركة على البلدة قد تكون من أهم التطورات المؤثرة في الحرب التي دخلت عامها الرابع، حيث حولت منطقة النيل الأزرق، التي كانت بعيدة وغير مهمة، إلى ساحة انطلاق حربية.
كشفت معركة الكرمك عن قدرات الدعم السريع على بناء علاقات مع المتمردين المحليين، ودور إثيوبيا، فلأول مرة تشن قوات الدعم السريع عملية عسكرية من داخل الأراضي الإثيوبيةوكشفت المعركة عن قدرات الدعم السريع على بناء علاقات مع المتمردين المحليين، ودور إثيوبيا، فلأول مرة تشن قوات الدعم السريع عملية عسكرية من داخل الأراضي الإثيوبية.
وترى المجلة أن المعركة تلخص تحول قوات الدعم السريع من جماعة ممولة ومسلحة بشكل جيد إلى إمبراطورية تجارية عابرة للحدود.
فمع بداية الحرب، اعتقدت القوات المسلحة السودانية أن الحرب مع المقاتلين التابعين لدقلو ستكون قصيرة.
وبعد ثلاث سنوات، بات حجم ذلك الخطأ واضحا، فأكثر من 33 مليونا من سكان السودان البالغ عددهم 50 مليون نسمة بحاجة إلى مساعدات إنسانية، فيما يواجه 19 مليونا على الأقل مستوى من الجوع الحاد.
وأدت الحرب إلى نزوح نحو 14 مليونا من مدنهم وقراهم، وربما قتل مئات الآلاف، ويعاني الاقتصاد من تدهور كبير، والدولة على وشك الانهيار التام.
ومن ناحية أخرى، توسع النفوذ العسكري والاقتصادي لقوات الدعم السريع.
فرغم استعادة القوات المسلحة السودانية العام الماضي للخرطوم، العاصمة، ومنطقة النيل الخصبة، لا تزال قوات الدعم السريع وحلفاؤها يسيطرون على ما يقارب نصف البلاد.
ويشمل ذلك معظم دارفور، معقلها الغربي الغني بالمعادن حيث تتهم بارتكاب إبادة جماعية، بالإضافة إلى مساحات شاسعة من كردفان والنيل الأزرق.
علاوة على ذلك، وكما تشير الأدلة على تورط إثيوبيا، فإن نفوذ قوات الدعم السريع وبنيتها التحتية ومصالحها تمتد الآن إلى ما وراء حدود السودان.
فمنذ الأيام الأولى للحرب، عملت قوات الدعم السريع على تأمين تدفق الأسلحة والوقود عبر إنشاء شبكة من المطارات ومراكز الخدمات اللوجستية في جوار السودان.
وفي البداية، كانت الإمدادات تنقل بشكل رئيسي عبر أمجراس، وهي قاعدة جوية في تشاد، يقال إن الإمارات العربية المتحدة، الداعم الأجنبي الرئيسي لقوات الدعم السريع، استخدمتها لتهريب الأسلحة والمساعدات الطبية عبر الحدود إلى دارفور.
ومع أن أبو ظبي تعترف بتقديم بعض الدعم المبكر لقوات الدعم السريع، لكنها تنفي استمرارها في ذلك.
وبحلول منتصف عام 2025، انتقل مركز الثقل إلى جنوب ليبيا، حيث سهل خليفة حفتر، القائد العسكري الليبي وحليف دقلو، وصول الإمدادات.
وفي الآونة الأخيرة، أصبحت إثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى من القنوات المهمة.
ومع ذلك، باستثناء مصر وإريتريا، المتحالفتين مع القوات المسلحة السودانية، تسمح جميع الدول المتاخمة للسودان لقوات الدعم السريع بالعمل بشكل أو بآخر على أراضيها.
ويعود ارتباط دول الجوار هذه مع قوات الدعم السريع لعلاقتها مع الإمارات.
كما نجحت قوات الدعم السريع في إقناعهم بجدوى الأمر من خلال استثمارها في شبكاتها التجارية والدبلوماسية في جميع أنحاء المنطقة.
وتمنحها إثيوبيا أكبر قدر من المرونة.
فمنذ أواخر عام 2025، يزعم أن الوجود العسكري للقوات هناك، في أقصى غرب البلاد قرب الكرمك، يشمل معسكرا لتدريب آلاف المقاتلين.
وقد أفاد تحقيق أجرته وكالة أنباء “رويترز” قبل فترة بأن الإمارات، المتحالفة أيضا مع إثيوبيا، مولت بناء هذا المعسكر.
وتشير صور الأقمار الصناعية التي حللها مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل إلى وجود مئات المركبات في قاعدة للجيش الإثيوبي، من بين أمور أخرى، تشبه تلك المنتشرة في الكرمك.
وتقول جامعة ييل إن نتائجها تظهر “أدلة بصرية واضحة” على أن قوات الدعم السريع تشن هجمات من داخل إثيوبيا.
ولم ترد الحكومة الإثيوبية على هذه الادعاءات، بينما تقول الإمارات إنها “ترفض رفضا قاطعا” مزاعم تقديمها “أسلحة أو تمويلا أو مدربين أو دعما لوجستيا لقوات الدعم السريع”.
وترفض قوات الدعم السريع التعليق.
تقول جامعة ييل إن نتائجها تظهر “أدلة بصرية واضحة” على أن قوات الدعم السريع تشن هجمات من داخل إثيوبياوتضيف المجلة أن دولا أفريقية لا تجاور السودان تقدم، على ما يبدو، مساعدات لقوات الدعم السريع.
ويقول جوشوا كريز، الباحث البريطاني، إن أدلة موثوقة تشير إلى أن الجيش الأوغندي ربما ساعد في نقل الأسلحة والوقود إلى هذه القوات عبر جنوب السودان.
وفي العام الماضي، كشف تحقيق أجرته “بيلينغكات”، وهي منظمة استخباراتية مفتوحة المصدر، عن وجود صناديق ذخيرة تحمل علامات كينية داخل ما يزعم أنه مستودع أسلحة تابع لقوات الدعم السريع بالقرب من الخرطوم.
ويقيم مسؤولو هذه القوات ويتنقلون بحرية في كل من أوغندا وكينيا.
ونقلت المجلة عن عبد الناصر سلوم حامد، المحلل السوداني، قوله إن قوات الدعم السريع تعرض على المقاتلين في منطقة الساحل حوالي 500 دولار شهريا للانضمام إلى صفوفها، وهو أجر جيد وفقا للمعايير المحلية.
ويأتي بعضهم من مناطق أبعد.
فمنذ عام 2024، ساعد مئات المرتزقة الكولومبيين قوات الدعم السريع في قتال دارفور.
ويسافرون عبر جسر جوي يمتد عبر الإمارات العربية المتحدة وتشاد وليبيا ومنطقة بونتلاند شبه المستقلة في الصومال.
وخلال زيارة أجرتها مجلة “إيكونوميست” عام 2025، رصدت طائرة شحن في مطار بوساسو، الميناء الرئيسي لبونتلاند.
وكانت الطائرة مسجلة في قيرغيزستان، ولكن وفقا لمراقبي النزاعات، تسيطر عليها الإمارات العربية المتحدة.
وكان على متن رحلة مراسل المجلة نحو اثني عشر رجلا ضخم البنية يتحدثون الإسبانية.
ويظهر تقرير جديد صادر عن مجموعة “كونفليكت إنسايتس غروب”، وهي شركة تحليلية، أن الدعم المقدم من مرتزقة كولومبيين مدعومين من الإمارات العربية المتحدة مكن قوات الدعم السريع من السيطرة على مدينة الفاشر في دارفور في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وتستمد قوات الدعم السريع قوتها العسكرية من مواردها المالية الضخمة.
ففي عام 2017، استولى دقلو، الذي بدأ حياته تاجرا للإبل وقائدا في ميليشيات الجنجويد، وهي الفصائل السابقة لقوات الدعم السريع، والتي اشتهرت بمذابحها ضد الجماعات العرقية الأفريقية السوداء في العقد الأول من الألفية الثانية، على أكبر منجم ذهب في دارفور.
ومكنته عائدات التصدير هو وعائلته من شراء أصول خاصة وعامة.
ومع اندلاع الحرب في عام 2023، كان دقلو نائب الرئيس الفعلي للسودان وأحد أثرى رجاله.
وتمتد إمبراطوريته التجارية على جانبي القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ووفقا لتقرير مرتقب صادر عن “سنتري”، وهي مجموعة تحقيقات أمريكية، يمتلك أفراد عائلة دقلو وشركات مرتبطة بقوات الدعم السريع أكثر من 20 عقارا في دبي، بقيمة إجمالية تبلغ 24 مليون دولار.
وتشير المجموعة أيضا إلى أن شبكة من الشركات التي تتخذ من الإمارات العربية المتحدة مقرا لها تمكن قيادة قوات الدعم السريع من تحويل الذهب المهرب إلى عملات صعبة.
يظهر تقرير جديد صادر عن مجموعة “كونفليكت إنسايتس غروب”، وهي شركة تحليلية، أن الدعم المقدم من مرتزقة كولومبيين مدعومين من الإمارات العربية المتحدة مكن قوات الدعم السريع من السيطرة على مدينة الفاشر في دارفور في تشرين الأول/أكتوبر 2025ويرى نيك دونوفان، من “سنتري”، أن هذه النتائج ليست سوى جزء صغير من “مجمع صناعي شبه عسكري”.
وقد رفضت عائلة دقلو، حسب قول دونوفان، التعليق على ما إذا كان أفرادها لا يزالون يمتلكون عقارات محددة، وقالت إن أي مساكن أو أصول خاصة تم الحصول عليها بطرق مشروعة.
كما أكدت العائلة أن أفرادها يمارسون أنشطة تجارية مشروعة، مثل تجارة المواشي، منذ أجيال.
وقد أثبتت المصالح التجارية لقوات الدعم السريع مرونتها.
ففي عام 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على سبع شركات مقرها الإمارات العربية المتحدة، زعمت أنها قدمت أموالا وأسلحة للجماعة.
ومع ذلك، فقد توسعت الجماعة إلى مناطق تعدين جديدة.
في عام 2024، ازداد حجم الذهب السوداني الواصل إلى الإمارات.
وتعزز حرب الخليج الأخيرة موقف قوات الدعم السريع، إذ تعتبر الإمارات النفوذ والموارد في السودان ومنطقة البحر الأحمر عموما أمرا بالغ الأهمية لأمنها، وتعتبر قوات الدعم السريع أداة مهمة للحصول عليها.
ويؤكد دبلوماسي أمريكي سابق أن الهجمات الإيرانية على دول الخليج تعزز هذا المنطق.
وقد أدان عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، الضربات الإيرانية.
إلا أن القوات المسلحة السودانية تشتري طائرات مسيرة من إيران، وهي متحالفة مع جماعات إسلامية تدعم الجمهورية الإسلامية.
كما جعلت الحرب مع إيران الولايات المتحدة أقل ميلا للضغط على الإمارات.
ففي 17 نيسان/أبريل، فرضت عقوبات جديدة على شركتين كولومبيتين تزعم أنهما تزودان قوات الدعم السريع بمرتزقة، لكنها لم تفرض عقوبات على شركة الأمن الإماراتية المتهمة بدفع رواتبهم وتدريبهم.
وحتى لو تغير الوضع، فإن شبكة الدعم السريع التجارية الواسعة تعني أن إقناع الإمارات بقطع دعمها لن ينهي الحرب سريعا، كما تقول خلود خير من مركز “كونفلوينس للاستشارات”، وهو مركز أبحاث سوداني.
وتسعى قوات الدعم السريع بشكل متزايد إلى الظهور كقوة شرعية.
وقد أعلنت العام الماضي عن تشكيل حكومة موازية.
إلا أن إصرار القوات المسلحة السودانية على انسحاب الدعم السريع من جانب واحد من الأراضي التي يحتلها قد عرقل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى هدنة.
وفي كانون الثاني/يناير، دعا الجنرال برهان مجددا إلى “القضاء” على الدعم السريع، وهو ما يبدو الآن أبعد من أي وقت مضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك