مع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، لم تشتعل الجبهات السياسية والعسكرية وحدها، بل امتدت النيران سريعاً إلى جيوب المواطنين، حيث قفزت الأسعار ووجد البعض في الأزمة فرصة مفتوحة لتحقيق أرباح سريعة، بلا مبرر حقيقي سوى منطق الجشع واستغلال اللحظة.
يأتي ذلك في وقت تلقت فيه الحكومة نحو 170 طلباً من شركات الأدوية لرفع أسعار ما يقرب من 150 صنفاً دوائياً، بدعوى ارتفاع تكلفة المواد الخام المستوردة.
المفارقة الغريبة التي تثير التساؤلات أن الحكومة نفسها أعلنت مؤخراً امتلاك مخزون من هذه المواد يكفي لمدة عام كامل، مما يعني أن الإنتاج الحالي لا يعتمد على واردات جديدة بالأسعار المرتفعة التي تتحدث عنها الشركات.
وهنا يبرز السؤال لماذا يُطلب من المواطن تحمل تكلفة زيادات لم تدخل بعد في دورة الإنتاج؟المواطن البسيط، الذي قد يضطر للاستغناء عن بعض السلع أو حتى تقليل استهلاكه من الغذاء، لا يملك رفاهية التخلي عن الدواء، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة الذين يعتمدون عليه يومياً، بينما تكاد دخولهم تغطي احتياجاتهم الأساسية فقط.
الشركات من جانبها تطرح مبررات تبدو منطقية في ظاهرها، مشيرة إلى اضطراب الاقتصاد العالمي، واعتماد صناعة الدواء في مصر على الاستيراد، وتأثرها بتقلبات سعر الدولار وتكاليف الشحن والتأمين إلخ.
وتري أن تثبيت الأسعار قد يؤدي إلى خسائر، وربما توقف إنتاج بعض الأصناف.
غير أن هذا الطرح يصطدم بحقائق أخرى، أبرزها توافر مخزون كافٍ من مستلزمات الإنتاج كما سبق وأن ذكرت، إلى جانب أن ارتفاع الدولار لم يكن مستمراً، بل شهد تراجعاً لاحقاً وسريعاً، والحكومة حالياً تجد نفسها أمام معادلة صعبة فهي مطالبة بضمان استمرار توفير الأدوية في السوق، وفي الوقت نفسه حماية المواطنين من أي أعباء إضافية.
وفي تصريح لمصدر مسئول في الدولة، أكد أنه جارٍ حالياً دراسة الموقف من قبل اللجان المختصة، للبت في الأمر بشكل يضمن استمرارية ضخ الدواء والحفاظ على السعر العادل للمواطن والحفاظ على استمرارية الشركات في ضخ الكميات المطلوبة دون ضرر على الطرفين.
وأشار المصدر إلى أن الطلبات بعد أن يتم فحصها من اللجان المختصة سوف تعرض على لجنة التسعير للبت في الأمر بشكل نهائي، الأمر الذي يستغرق ما يقرب من 30 يوماً.
وأقولها بصراحة.
قد تنفجر مشكلة جديدة، إذ ربما لن تقوم هذه الشركات بطرح أي كميات من الأدوية في الأسواق انتظاراً لمرور الشهر لكي تتعرف على التسعيرة الجديدة، أما المرضى فسوف يقومون بزيادة شرائهم من الأدوية وتخزينها قبل ارتفاع أسعارها، وحيث إن الأدوية لها فترة صلاحية محدودة، فلن يستطيعوا تخزين الكثير منها، ولكن على الأقل سوف يوفرون احتياجاتهم لعدة أشهر قليلة، لتوفير مبلغ لا بأس به من المال.
وبين هذا وذاك سوف تحدث اضطرابات في سوق الدواء نحن في غنى عنها، لكن التأثير المباشر لأي زيادة محتملة يظل مقلقاً، خاصة على الفئات الأكثر احتياجاً، حيث قد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى عدم الالتزام من البعض في الانتظام بالعلاج، بما ينعكس سلباً على الصحة العامة.
كما أن الشعور بغياب المبررات المقنعة قد يفاقم حالة الغضب ويهز الثقة في آليات الرقابة.
في النهاية، تكشف أزمة تسعير الدواء عن واحد من أعقد تحديات الاقتصاد الحديث، حيث تتشابك العوامل المحلية مع تقلبات الخارج.
والحل لا يكمن في قرارات مؤقتة بقدر ما يتطلب رؤية طويلة الأجل، تقوم على توطين صناعة المواد الخام الدوائية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يعزز الأمن الدوائي ويضع مصلحة المواطن في قلب المعادلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك