لا خلاف بأنّ الفرد يحبّ كلّ عمل نجح فيه ويعدّه إنجازًا، ويعمل جاهدًا لتكرار الإنجازات في حياته، وترجع دوافع الحبّ لدى الإنسان لشعور نابع من العقل الباطن أو الظاهر، ولها دلالات معنوية على مدى سنوات عمره، وحبّ الطفل للمدرسة هو حالة خاصة من الشعور بالحبّ وينبع من دوافع متعدّدة، تتمثّل في: حبّ الاستطلاع، والمعالجة والاكتشاف، والاستثارة الحسية، والانتماء، والتنافس الشريف والتقدير، والمعرفة.
يُعدّ حافز الإنجاز والتحصيل (النجاح) وخبراته المتكرّرة من أقوى تلك الحوافز، وما دام الحال هكذا فمن المنطق أن تكون المدرسة هي صاحبة الرهان، ولكن إذا نظرنا بموضوعية دون مواربة للحقائق القائمة وتساءلنا: ما الذي يجعل الطلبة يكررون عبارة: أنا لا أحبّ المدرسة؟ وترى الفرحة في أعينهم حين يكون هناك إجازة عارضة، أو تبدأ العطلة الصيفية، وقد يبدأ هذا الشعور السلبي منذ مرحلة الروضة أو ما بعدها؟ إنّ الدوافع الإنسانية متعدّدة ومن ضمنها الدافع للإنجاز، ويخبرنا علم النفس: أنّ خلف كلّ سلوك دافع، مما يشير إلى أنّ البحث في الدافعية بحث في السببيّة، فلكلّ دافع حافز يقوم برفع وتيرته كلما دعت الحاجة إلى ذلك، فدافع الجوع يُحفّزه الطعام، ودافع العطش يُحفّزه الماء وهكذا دواليك، وكلما كانت الحوافز مغريّة، بمعنى أنّها تلبّي حاجة الفرد كلّما كان تعلّق الفرد فيها أشدّ وحرصه على إشباعها أقوى.
ويشير مفهوم الدافعية إلى: مجموعة الظروف الداخلية والخارجية التي تُحرّك الفرد من أجل إعادة التوازن الذي اختل، فالدافع بهذا المفهوم يُشير إلى نزعة للوصول إلى هدف معين، وهذا الهدف قد يكون إرضاء حاجات داخلية أو رغبات داخلية.
اضافة اعلانويرى برينستون (Bernstin,1918): أنّ الدافعية هي العوامل التي تؤثّر في مباشرة السلوك وتوجيهه وشدّته واستمراريته.
والدافعية للإنجاز Achievement Motivationهي حالة خاصّة من الدافعية العامّة، وهناك عوامل تؤثّر على مستوى الدافعية للإنجاز، مثل: النجاح، والسرور المترتّب على النجاح، والرغبة في تحقيق تقدير إيجابي للذات وصيانته وإدامته.
يُعدّ دافع التحصيل خاصية إنسانية يتميز بها دون غيره من الكائنات الحيّة، ويشير إلى حالة داخلية عند المتعلّم تدفعه إلى الانتباه للموقف التعليمي والإقبال عليه بنشاط موجّه، والاستمرار فيه حتّى يتحقّق التعلّم، فالأطفال الذين يوجد لديهم دافع مرتفع للتحصيل يعملون بجديّة أكبر من غيرهم ويحققون نجاحات أكثر في حياتهم.
فما هي العوامل المؤثّرة في دافعية الإنجاز؟ إنّ النزعة أو الميل للحصول على النجاح أمر متعلّم (مكتسب) ويختلف بين الأفراد، كما أنّه يختلف عند الفرد الواحد في المواقف المختلفة، وهذا الدافع يتأثّر بعوامل رئيسية ثلاثة عند قيام الفرد بمهمّة ما: الدافع للوصول إلى النجاح: يختلف الأفراد بدافع الوصول إلى النجاح، فقد يقبل فرد إلى المهمة التعليمية بحماس تمهيدًا للنجاح، ويقبل الآخر بطريقة يحاول من خلالها تجنّب الفشل.
احتمالات النجاح: إنّ المهمات التعليمية المتوسطة تظهر فيها الفروق الواضحة في درجة دافع تحصيل النجاح وتؤثر في الأداء على المهمة بشكل واضح ومتفاوت بتفاوت الدافع بعكس المهمات الصعبة جدًا أو السهلة جدًا.
القيمة الباعثة للنجاح: يعتبر النجاح بحدّ ذاته حافزًا وملبيًا للدافع الداخلي للفرد، ويبعث على الارتياح وإنجاز المهمّة، وتتفاوت درجة رضا الطالب عن نجاحه بمدى ما لديه من دافعية للتعلّم.
أمّا من ناحية التطبيق في غرفة الصف فيمكن للعوامل سابقة الذكر أن تقوّي أو تضعف من خلال الممارسات التعليمية، وعلى المعلّم أن يعمل على تقويّة احتمالات النجاح وإضعاف احتمالات الفشل، وتقوية دافع التحصيل عند الطلبة من خلال مرورهم بخبرات النجاح وما يتبعها من حالات سرور، وتقديم مهمات تعليمية مجزّأة إلى خطوات صغيرة ويسيرة فيها درجة معقولة من التحدّي وتكون قابلة للحل، ويمكن تطبيق ذلك أيضًا في الواجبات المنزلية والتي تقوم بتثبيت المعلومات التي تمّ تعلّمها في غرفة الصف وفي الوقت نفسه تعمل هذه الواجبات على تهيئة الطلبة للاختبارات وتكون جزءًا لا يتجزأ منها، وإنّ خبرات النجاح التي يُمهّد المعلّم بها لرفع دافعية الطلبة للتعلم تُسهم في تخفيف الاحتراق النفسي للمعلم في حال تكرار فشل الطلبة وضعف دافعيتهم للتعلّم.
دور الأسرة في الدافعية للإنجاز: تلعب الأسرة دورًا محوريًا في رفع الدافعية للإنجاز لدى أبنائها، وأظهرت الدراسات بأنّ الأطفال الذين يحصلون على علامات مرتفعة في اختبار قياس الدافع للإنجاز يميل والديهم إلى تشجيع أبنائهم على محاولة إنجاز مهمات صعبة، ويمتدحون النجاح ويثنون عليه ويحثّون أبناءهم على إيجاد طرق للنجاح وليس الاكتفاء بالتشكّي من الفشل، ويحفّزون الطفل على الاستمرار ومحاولة حلّ مشكلات أكثر صعوبة.
يقابل هؤلاء الوالدين نمط آخر من أولياء الأمور ممن يحصل أبناؤهم على علامات متدنية في اختبار دافع التحصيل يتصفون بصفات مغايرة للصفات السابقة، إذ تراهم ينزعجون عندما يُعطى أبناؤهم مهام صعبة، ثمّ إنّهم لا يشجعونهم على الاستمرار في العمل ويتدخلون في واجبات أبنائهم أو يكملونها نيابة عنهم.
وقد أظهرت الدراسات أيضًا بأنّه يمكن رفع مستوى الدافع للإنجاز لمن لم يُشجّعوا في طفولتهم على ذلك، من خلال تطوير تصورات عن أنفسهم عندما لا ينجحون في إنجاز المهام، كما يُطلب منهم أن يتصوروا أنفسهم وهم يعدّون لأنفسهم أهدافًا صعبة ولكنها ليست مستحيلة، وبعدها يتصورون أنفسهم وهم يركّزون على تجزئة المشكلات المركّبة إلى خطوات صغيرة ويسيرة، ومن ثمّ يتصورون أنفسهم وهم يعملون بكدّ فيفشلون ولكنهم لا يثبطون، ويستمرون في العمل ليشعروا أخيرًا بفرحة النجاح، وقد ظهر بعد ذلك أنّ درجات الطلبة قد تحسّنت موحية بأنّ دافعهم للتحصيل والإنجاز قد ازداد وارتفع مستواه.
ومهما يكن دور الأسرة مؤثرًا في دافعية الإنجاز يبقى الدور الأكبر للمدرسة بخطواته الأولى ألا وهي جعل المدرسة محبّبة للطالب وبيئة جاذبة من خلال: تهيئة المعلمين لتقبّل الطلبة وبناء جسور من الألفة والمحبة والثقة بينهم.
استخدام طرق وأساليب التعليم التشاركية التي يعمل بها الطلبة ضمن مجموعات.
توفير الأنشطة اللاصفية الموجّهة ذات الطابع الترفيهي الجماعي.
جعل التعلّم خبرة مفرحة وممتّعة للطلبة من خلال أسلوب: أنا ألعب وأتعلّم.
التواصل مع المجتمع المحلي واستغلال المناسبات الوطنية والدينية وغيرها للمشاركة الفاعلة.
التواصل الدائم مع الأسرة والبحث عن أفضل السبل لرفع الدافعية للإنجاز لدى الطلبة.
تعزيز نجاح الطلبة بشكل دائم، وتنمية قيمة النجاح في أنفسهم والاحتفاء بذلك ضمن تنافس شريف.
لندع أبناءنا يمرون بخبرات نجاح متتالية ترسم البسمة على وجوههم، فأكثر ما يخشاه المجتمع أن تبقى تلك العبارة- أنا لا أحب المدرسة- ملازمة للطالب لحين دخوله الجامعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك