في مدينة بريبيات الأوكرانية في الحقبة السوفيتية كانت الحياة تسير كالمعتاد، الأطفال يلهون، والرجال والسيدات يمارسون الأعمال والوظائف المختلفة، والعائلات والأصدقاء يجتمعون على موائد الطعام يتسامرون ويتضاحكون، فالحياة ككل مدن أوكرانيا وغيرها من مدن العالم نابضة، ولكن في ليلة من ليالي ربيع عام 86 حدث شيء مرعب لا يمكن وصفه ولا تخيله قتل الآلاف، وأحدث تغييراً في حياة الملايين إلى الأبد.
ففي السادس والعشرين من أبريل من عام 1986 حدثت واحدة من أكبر الكوارث النووية التي عرفها التاريخ، والتي عُرفت بكارثة تشرنوبل، حينما انصهر قلب مفاعل نووي بسبب خطأ فني، واشتعل المفاعل، وانبعثت منه الإشعاعات المميتة في أوكرانيا وروسيا وروسيا البيضاء.
كان العمل يسير في مفاعل تشرنوبل في مدينة بريبيات الأوكرانية على النحو المعتاد، فالقائمين على سلامة المنشأة النووية المعدة لأغراض توليد الكهرباء في طريقهم لإجراء اختبار سلامة للمفاعل فيما بدا أنه روتيني وضروري، ولكن أمراً غير متوقع حدث.
فقد بدا أن إيقاف النظام لمدة 20 ثانية لاختبار أثر انقطاع الكهرباء هو مجرد اختبار آخر للمعدات الكهربائية، إلا أن خطأ في التشغيل بعد إغلاق توربينات المياه المستخدمة في تبريد اليورانيوم المستخدم وتوليد الكهرباء، أدى إلى ارتفاع حرارة اليورانيوم بالمفاعل الرابع إلى درجة الاشتعال.
فبعد سبع ثوان، أدى ارتفاع درجة الحرارة إلى إحداث موجة انفجار كيميائية، أطلقت بدورها ما يقرب من 520 نويدة من النويدات المشعة الخطرة إلى الغلاف الجوي، وفقاً لما أورده موقع الأمم المتحدة عن الكارثة الهائلة.
وفي حين أن رئيس الفريق المناوب انتبه إلى الخطر، وحاول إغلاق المفاعل مما يجعل أعمدة الجرافيت تنزل في قلب المفاعل، وتبطئ من سرعة التفاعل النووي وتكون الحرارة، إلا أن هذه الطريقة جعلت الحرارة تزداد لوهلة قبل أن تشرع في الانخفاض.
وبما أن المولد كان غير مستقر والدورة الحرارية مشوشة من آثار الاختبار، كان هذا هو العامل الذي أدى إلى اعوجاج أعمدة الجرافيت، وعدم إمكانية إسقاطها في قلب المفاعل، وساعد في ارتفاع الحرارة بشكل كبير، واشتعال بعض الغازات المتسربة؛ ما تسبب في الكارثة.
وأدت قوة الانفجار إلى انتشار التلوث على أجزاء كبيرة من الاتحاد السوفيتي، في المناطق التي تتبع ما يعرف الآن بروسيا البيضاء وأوكرانيا وروسيا.
ولم تصدر تقارير عن الحالة حتى اليوم الثالث من انفجار تشيرنوبيل.
ثم قامت السلطات السويدية بوضع خارطة لمستويات الإشعاع المتزايدة في أوروبا مع اتجاه الرياح، وأعلنت للعالم أن حادثة نووية وقعت في مكان ما من الاتحاد السوفيتي.
وقبل إعلان السويد، كانت السلطات السوفياتية تقوم بعمليات مكافحة للحرائق وعمليات تنظيف، إلا أنها اختارت ألا تقدم تقريرًا عن الحادث أو حجمه بشكل كامل، بحسب ما ينقل الموقع الرسمي للأمم المتحدة.
وبعد حدوث الانفجار بدأت عمليات دفن وتغليف المفاعل بالخرسانة المسلحة لمنع تسرب الإشعاع الناجم عنه، والذي أدى إلى وفاة عدد كبير في السنوات اللاحقة متأثرين بالإشعاع وخاصة أمراض سرطان الغدة الدرقية.
ووفقاً لتقارير رسمية، لقى 31 شخصاً حتفهم على الفور، وتعرض 600 ألفاً من المشاركين في مكافحة الحرائق وعمليات التنظيف، لجرعات عالية من الإشعاع، كما تعرض ما يقرب من 8,400,000 شخص في الدول الثلاث روسيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا للإشعاع، وهو عدد يزيد عن إجمالي سكان النمسا.
وتعرضت 155 ألف كيلومتر مربع من الأراضي في التابعة للبلدان الثلاثة للتلوث، وهي مساحة تماثل نصف اجمالي مساحة إيطاليا.
وتعرضت أيضاً مناطق زراعية تغطي ما يقرب من 52 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة أكبر من مساحة الدانمارك، للتلوث بالعنصر المشع سيزيوم – 137، وعنصر سترونتيوم – 90، واضطرت السلطات إلى إجلاء ما يقرب من 404 ألف شخص، إلا أن الملايين ظلوا يعيشون في بيئة تسبب فيها استمرار بقايا التعرض الإشعاعي إلى ظهور مجموعة من الآثار الضارة.
ومنذ ذلك الوقت تحولت مدينة بريبيات التي يقع فيها مفاعل تشرنوبل إلى مدينة أشباح، وذلك بعد أن غادرها سكانها البالغ عددهم – وقتذاك – أكثر من 100 ألف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك