( دكتوراه الإذاعة والتليفزيون ـ كلية الإعلام جامعة القاهرة)لم يعد العنف في عصرنا بحاجة إلى سلاح.
لم يعد الدم شرطًا للجريمة.
يكفي اليوم أن تُكتب جملة، أن تُقتطع لحظة، أن يُحرّف سياق—ليُدفع إنسان كامل إلى منصة إعدام لا قاضٍ فيها ولا دفاع.
نحن لا نقتل بعضنا كما كنا نفعل من قبل… نحن نُبقي بعضنا أحياء، فقط لنمارس القتل ببطء.
القتل ينهي حياة الإنسان مرة واحدة.
أما الاغتيال المعنوي، فيتركه حيًا…ليُقتل كل يوم، في كل ساعة، في كل دقيقة.
يستيقظ على اسمه مثقّلًا بما لم يقله،وعلى صورته وقد صارت حقًا مستباحًا للآخرين، وعلى تاريخه وقد أُعيدت كتابته بجملة واحدة.
في هذا النوع من القتل، لا يُسلب الإنسان حياته، بل يُسلب معناها.
لا يُدفن في قبر، بل يُترك عالقًا في نظرات الناس، في همساتهم، في أحكامهم الجاهزة.
في زمن “الترند” و”الريتش”، لم تعد الحقيقة هي الهدف، بل اللقطة.
لم يعد الإنسان إنسانًا، بل مادة قابلة للاستهلاك.
خطأ واحد—أو حتى شبهة—كفيلة بأن تحوّلك إلى عرض حي، تتناوله ملايين الألسنة والعيون بلا رحمة.
الجمهور لم يعد جمهورًا، بل محكمة مفتوحة:لا تحقق، لا تدقق، لا تنتظر.
تحكم أولًا… ثم تبحث عن الأدلة لاحقًا—إن بحثت أصلًا.
إن أخطر ما فيه ليس الاتهام ذاته، بل ما يليه.
أن يُجرَّد الإنسان من إنسانيته،أن يتحول من كيان كامل إلى “حالة” تُناقش، أن تُسحب منه تعقيداته، وتُمحى تفاصيله، ويُختزل في واقعة واحدة.
غلطة—أو حتى ادعاء—لا تبقى في حدودها، بل تتمدد كظل ثقيل فوق كل ما كانه، فتعيد تعريف ماضيه،وتلوّن حاضره، وتُصادر مستقبله.
لا يعود شخصًا أخطأ، بل “شخصًا سيئًا”… للأبد.
فالأثر هنا لا ينتهي.
لا يتوقف عند لحظة، ولا عند اعتذار، ولا حتى عند إثبات براءة.
لأن الاغتيال المعنوي لا يعيش في الحدث، بل يعيش في الذاكرة.
والذاكرة في زمننا لم تعد بشرية فقط… بل رقمية.
الإنترنت لا ينسى.
الأرشيف يحتفظ بكل شيء:الصورة، التعليق، الاتهام، السخرية.
يعيد إنتاجها في كل مرة، كأنها حدثت الآن.
حتى إن نجا الإنسان، تظل القصة تلاحقه.
وحتى إن صمت الجميع،هناك من لا يُمنح حتى فرصة النجاة.
لا يكون الاغتيال المعنوي تشويهًا يمكن تجاوزه، بل حكمًا نهائيًا.
لأن ما يُستهدف هنا ليس الفعل… بل “القيمة”.
لا تُحاكم على ما حدث، بل على ما تمثّله.
ولهذا، لا تبقى التهمة في حدودها، بل تتحول إلى وصمة.
والوصمة لا تُناقش، ولا تسقط، ولا تُنسى.
بل تمتد خارجها، تلتصق باسمها، ثم تتحرك أبعد:إلى أسرتها، إلى علاقاتها،إلى أي مستقبل يمكن أن تحاول بناءه.
حتى إن اختفت، لا يختفي الحكم.
كأنها لا تُعاقَب على خطأ، بل يُحكَم عليها بأنها هي الخطأ.
هذه ليست لحظة قسوة عابرة.
هذه منظومة.
منظومة تقتل ببطء، وتتغذى على المشاركة، وتكبر بالصمت.
لأن هذه المحكمة لا تعمل وحدها.
بكل مرة نشارك فيها دون أن نعرف،بكل مرة نحكم فيها دون أن نفهم،بكل مرة نستمتع فيها بمشهد سقوط إنسان كأنه مجرد محتوى.
في “محكمة الترند”، لا أحد بريء… لأننا لم نعد مجرد شهود، نحن شركاء جريمة واحدة!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك