تُمثل الصروح المعمارية التراثية والأثرية بالقاهرة ثروة قومية كُبرى ترجع أصولها التاريخية إلى فترات زمنية مُتعددة، حيث الامتداد الحضاري على مر التاريخ يعكس الاهتمام المصري بفن العمارة، ذلك الفن الذي تحاول الأجهزة المعنية حالياً العمل على حفظه وصيانته عبر الجهود المبذولة للمُحافظة على الشكل الحضاري من خلال العناية بترميم العمارات السكنية بمنطقة وسط البلد وتجميل واجهاتها بما يتفق مع طرازها المعماري التاريخي الذي أنشئت عليه.
قبل العناية بمنطقة وسط العاصمة شهدت منطقة الخليفة والسيدة زينب وشارع المُعز لدين الله الفاطمي، نشاطاً ملحوظاً استهدف ترميم بعض المنشآت والعمارات السكنية القديمة والمساجد الأثرية، وهو ما عُرف في حينه بمشروع ترميم وتجميل القاهرة الفاطمية.
وقد أفلحت المساعي بالفعل في إنقاذ العديد من الثروات المعمارية بالمنطقة المذكورة، إذ تحولت البنايات المُهملة المُحاطة بالمخلفات والورش الصناعية في غضون سنوات قليلة إلى مزارات سياحية مفتوحة ولم يتبق إلا القليل من المساجد الصغيرة والأبنية التي تنتظر الجولة الثانية من عمليات الإنقاذ والترميم والإصلاح.
الآن تشهد العمارات الخديوية بوسط القاهرة كما أسلفنا مراحل تطوير أخرى بغرض الجذب السياحي والحفاظ على الطُرز الفريدة معمارياً وفنياً، وفي هذا السياق يتحتم ربط التميز المعماري في القاهرة بالصروح التــاريخية الــواقعة في مناطق بعينها من مصر.
ولعل أول ما يتبادر إلى الأذهان في هذا الصدد صورة الجامع الأزهر الشريف ببنائه المعماري الشاهق وتاريخه الديني والعلمي العريق، فالأزهر يُمثل قمة الحضارة على مستويات كثيرة، فهو متفرد في تراثه المعماري ودوره العلمي والإرشادي ومُبادراته الوطنية ومواقفه عبر العصور، فهو من وحد شعار الدين لله والوطن للجميع وأكد على لُحمة الشعب المصري بكل فصائله الوطنية والدينية في ثورة 19 كما هو مُبين في الروايات الأدبية والأفلام القديمة التي وثقت بالصوت والصورة كفاح الشعب ضد الاحتلال الإنكليزي أوائل القرن العشرين وما بعد ذلك بمراحل طويلة، حين صعد الرئيس جمال عبد الناصر منبر الجامع الأزهر ليُلقي خطبته الشهيرة مُحفزاً الجماهير على حمل السلاح لمواجهة العدوان الثلاثي عام 1956.
وبخلاف الجامع الأزهر توجد صروح تاريخية حضارية لها ذات القيمة الأثرية كالكنيسة المُعلقة التي جرى ترميمها منذ سنوات للمُحافظة عليها وبقائها كمعلم رئيسي من معالم القاهرة، بوصفها تُمثل طرازاً معمارياً نادراً وقيمة دينية وأثرية بالغة الأهمية.
ولا شك أن قلعة صلاح الدين الأيوبي ومسجد السُلطان حسن ومسجد عمرو بن العاص هي أيضاً كنوز لا تُقدر قيمتها بالأموال وإنما تُترجم بكيانها السامق والراسخ، حضارة إنسانية كُبرى، بما تتسم به من قدم وعراقة وهندسة بنائية يصعب تكرارها بالكيفية المعمارية القائمة والكائنة بمنطقة الحلمية الجديدة بالقاهرة.
ويدخل أيضاً ضمن الحيز الحضاري البارز والفريد بيت السحيمي وبيت السناري، وهما كائنان بمنطقة السيدة زينب ويُمثلان وجهة دائمة للسياح من مُختلف البلدان الأوروبية، حيث تتوافد أعداد مهولة قاصدة المعرفة والاطلاع والاستمتاع بما هو فارق في جوهره ومضمونه وتراثه.
ويُضاف إلى هذين المعلمين الرئيسيين بيت الخزف ووكالة الغوري والخيامية والمسافر خانة والمسرح القومي ومسرح الطليعة ومسرح الجمهورية ودار الأوبرا المصرية الحديثة.
ومن المباني والبيوت القديمة إلى المتاحف حيث تنوع الثقافات والحضارات والمزارات، فهناك المتحف الحربي بالقلعة الذي يضم آليات الحرب التقليدية والبدائية وملابس الفرسان وأسلحتهم ومُقتنياتهم الخاصة وغيرها.
كما يوجد أيضاً في منطقة أبو العلا متحف المركبات الملكية في عصر محمد علي باشا والأسرة العلوية، بتسلسلها وأسماء حكامها من إبراهيم باشا والخديوي إسماعيل والخديوي توفيق والخديوي سعيد، وصولاً إلى الملك فؤاد الأول والملك فاروق.
ويحظى هذا المتحف بنسبة غير قليلة من الزائرين برغم وجوده في منطقة شعبية مأهولة بالسكان، غير أن هناك متحف البريد، وهو يحتوي على وسائل التواصل والاتصال القديمة ويكشف عن تطور المُراسلات بين المواطنين من خلال وسائل مُتعددة تم تسجيلها تاريخياً بعد خضوعها للدراسات البحثية المُتخصصة.
ولا تنتهي سلسلة الأماكن الأثرية والمتاحف عند هذا الحد، وإنما تمتد لتشمل صروحا أخرى كالمتحف المصري القديم، والمتحف الحديث والمتحف الزراعي، بخلاف الحدائق الشهيرة، كحديقة الأندلس وحديقة الأورمان وحديقة الحيوان وحديقة الأسماك، وكلها تضم مساحات شاسعة وتتشعب مستوياتها ومواطن جذبها وجمالياتها الخاصة من حيث الشكل والدور والأهمية وتُشكل في مُجملها منظومة أثرية وجمالية شديدة التميز والإبهار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك