ليست الطمأنينة في غياب الأسئلة، بل في القدرة على العيش بها دون أن تتمزق.
إن الإنسان مهما بلغ من فهمٍ واتزان، يظل في داخله فراغٌ لا تملؤه الإجابات، ذلك أن بعض الأسئلة لم تُخلق لتُجاب بل لتقود صاحبها إلى حيث يجب أن يكون.
نبحث طويلاً عن سكينةٍ تُشبه تصوراتنا، ونُطاردُها في إنجازٍ يكتمل، أو علاقةٍ تستقر، أو حياةٍ تستقيم.
لكننا نكتشف( متأخرين غالباً ) أن كل ما في الخارج قابلٌ للاهتزاز، وأن القلب إن لم يجد ما يثبّته من الداخل ظلّ معلقاً بكل عابر.
حين يُدرك الإنسان أن الطمأنينة ليست حالةً تُصنع، بل صلةً تُستعاد، ففي أعماق كل نفس حنينٌ لا يُفسَّر، وكأنها تعرف وجهتُها لكنها تتأخر في الرجوع، وحين تعود، لا تعود إلى فكرة، بل إلى يقين.
ذلك اليقين الذي لا يُبنى بالبرهان وحده، بل يُسقى بالقرب، ويكبُر كلما انحاز القلب إلى مصدره الأول.
ومن عجيب شأن الإنسان أنه كلما أوغل في تعقيد الحياة، كان شفاؤه في أبسط أبوابها، أن يقف ويُصغي فقط.
يُصغي لا إلى العالم، بل إلى ذلك النداء الهادئ الذي لا يعلو، لكنه لا يغيب.
هناك تتبدل العلاقة مع القلق، فلا يختفي تماماً، لكنه يفقد سطوته، وكأن شيئاً أعمق قد تولّى أمر القلب.
ولعل أعظم ما يلامس هذا العمق، ذلك الكلام الذي لا يُخاطب السمع فقط، بل ويعرف طريقه إلى ما وراءه، كأنه خُلق ليُقرأ في الإنسان، لا عليه.
فيه يجد المرء نفسه، لا كما يراها، بل كما هي، ويشعر ( دون أن يملك تفسيراً كاملاً ) أن شيئاً داخله قد انتظم، وأن الفوضى التي كانت تعلوه لم تعد كذلك.
تتشكّل الطمأنينة في صورتها الأصدق:لا كهدوءٍ مطلق، بل كقربٍ يُغني، وسكونٍ لا يعتمد على ظرف، واتفاقٍ خفيّ بين القلب وربه.
هذا ما يجعل الإنسان ثابتاً، حتى وهو يمر بكل ما كان يخشاه.
فلنعلم جميعاً أن الطمأنينة في جوهرهاليست أن تتبدل الحياة، بل أن يجد القلب مرجِعه الذي لا يتبدل.
فمن استقرّ قلبه بالله تعالى، أصبح المعنى أوضح من أن يُفسَّر، والطريق أهدأ من أن يُخشى، ولو ظلّ العالم من حوله كما هو، لا يهدأ ولا يتّزِن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك