في مثل هذا اليوم من عام 1192، اهتزت أركان الممالك الصليبية في الشرق، على وقع واحدة من أدق وأخطر عمليات الاغتيال السياسي في العصور الوسطى، حيث نجح الحشاشون في تصفية الملك كونراد دي مونفيراتو، ملك مملكة بيت المقدس المنتخب، وذلك في ذروة الحملة الصليبية الثالثة.
ولم يكن هذا الاغتيال مجرد تخلص من قائد عسكري محنك، بل كان ضربة استراتيجية وجهتها طائفة نزاريي الإسماعيلية لتبعثر أوراق القوى الكبرى المتصارعة على أرض فلسطين، من الصليبيين بقيادة ريتشارد قلب الأسد وصولًا إلى الناصر صلاح الدين الأيوبي.
قصة صعود كونراد إلى عرش القدسكان كونراد قد فرض نفسه كأقوى مرشح لعرش القدس بعد نجاحه في الدفاع عن مدينة صور ضد حصار صلاح الدين، وهو ما جعله في صدام مباشر مع خصمه اللدود جاي دي لوزينيان.
ويرصد المؤرخ ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ كيف أن هذا الصراع الداخلي بين القادة الصليبيين خلق بيئة من الغموض والمؤامرات، مشيرًا إلى أن شيخ الجبل رشيد الدين سنان، زعيم الحشاشين، كان يراقب بدقة موازين القوى، وقرر التدخل لإنهاء طموح كونراد الذي بات يهدد مصالح الطائفة في الشمال السوري، وذلك بتدبير عملية انتحارية تطلبت اختراقًا أمنيًا استمر لشهور.
تنكر اثنان من فدائيي الحشاشين في زي رهبان، وانخرطا في حاشية الملك بمدينة صور لفترة طويلة حتى كسبا ثقته، ويذكر المؤرخ وليم الصوريي أن المغتالين استغلا لحظة خروج كونراد من مأدبة عشاء، وانقضّا عليه بخناجرهما المسمومة في أحد أزقة المدينة الضيقة؛ وعلى الرغم من إصابته القاتلة، نقل الملك حيث لفظ أنفاسه الأخيرة، بينما قُتل أحد المنفذين وأُسر الآخر تحت التعذيب، وسط اتهامات متبادلة طالت ريتشارد قلب الأسد بالتحريض على العملية.
ترتب على رحيل كونراد المفاجئ حالة من الفوضى السياسية العارمة في صفوف الصليبيين، حيث فقدت الحملة الثالثة عقلها المدبر وأكثر قادتها قبولًا لدى البارونات المحليين، وأدى هذا الاغتيال إلى تسريع وتيرة المفاوضات بين ريتشارد وصلاح الدين، التي انتهت لاحقًا بصلح الرملة، كما عزز من أسطورة الحشاشين كقوة خفية قادرة على الوصول إلى رقاب الملوك والقياصرة في حصونهم المنيعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك