لم يخفِ الرئيس الفرنسي حِدَّةَ موقفه.
فخلال الزيارة الميدانية التي قام بها إلى مستشفى في منطقة" أرييج" جنوب فرنسا، وجّه انتقادا لاذعا لكل الذين يطالبون باتباع" خط متشدد" مع الجزائر، معربا في الوقت نفسه عن أسفه لمن وصفهم" بالمجانين" الذين يريدون القطيعة مع هذا البلد.
وجاءت تصريحات ماكرون بعد يوم فقط من عودة باتريك مارتان، رئيس أرباب العمل الفرنسيين" الميديف"، من زيارة للجزائر جاءت بدعوة من نظيره كمال مولا، بهدف إعادة الدفء إلى العلاقات الاقتصادية بين البلدين، والتي تأثرت بسبب الأزمات السياسية والملفات الشائكة بين الجزائر وفرنسا كالهجرة، الأمن، الصحراء الغربية وذاكرة الاستعمار.
وقال ماكرون خلال زيارته لمستشفى لافلانيت: " اذهبوا وأبلغوا كل المجانين الذين يشرحون لنا يوميا أنه ينبغي علينا أن نتشاجر مع الجزائر".
وأضاف أمام طبيب ينحدر من مدينة وهران غرب الجزائر: " نظام الأطباء الحاصلين على شهادات من دول خارج الاتحاد الأوروبي فوضوي.
إنه أمر يصيبني بالجنون ويكشف عبثية النظام الفرنسي".
اقرأ أيضامعاناة الأطباء الأجانب في فرنسا: " لماذا لا يقيمونني على أساس خبرتي هنا"كما أعرب ماكرون عن أسفه لعدم تسهيل حياة هؤلاء الأطباء، من خلال إلزامهم بإعادة اجتياز المسابقات، على الرغم من أنهم يساهمون بشكل يومي ومباشر في مكافحة ظاهرة التصحر الطبي التي تعاني منها العديد من المناطق الفرنسية، لا سيما الأرياف.
وقال: " إنهم أشخاص رائعون.
نُشغّلهم ويمارسون الطب ويعملون داخل المستشفيات.
لكن عندما يأتي اليوم الذي يتعين فيه تثبيتهم رسميا وإداريا، نعود بهم إلى نقطة الصفر بالكامل ونفرض عليهم اجتياز مسابقة فقط لتعقيد الأمور على الجميع".
وأضاف ماكرون منتقدا: " الصندوق الوطني للتأمين الصحي يُدير النظام بعقلية قديمة.
أي إن الفكرة السائدة في أذهان الجميع هي تنظيم القطاع الطبي من خلال العرض، وبالتالي كلما زادت العراقيل التي نضعها أمام الناس ولفترة أطول، كان ذلك أفضل لأنه سيكلفنا أقل".
وتابع: " ما ينبغي فعله هو العكس تماما.
لدينا نظام يسير على رأسه".
طبيب جزائري: " هناك إرادة سياسية لإقصاء الأطباء الأجانب"وتُظهر الإحصائيات أن عدد الأطباء الذين حصلوا على شهاداتهم العلمية من خارج الاتحاد الأوروبي ويمارسون رسميا مهنتهم الطبية في فرنسا بلغ 19154 طبيبا في يناير/كانون الثاني 2025.
وتوزعت نسبهم كالتالي: 38,8% من الجزائر، 15,1% من تونس، 8,6% من سوريا، 7,4% من المغرب، و4% من لبنان.
من جانبه، استغرب عبد الحليم بن سعدي، وهو طبيب جزائري متخصص في أمراض السكري بمستشفى نانتير غرب باريس، من تصريحات ماكرون.
وقال في مقابلة هاتفية مع" إذاعة الجنوب" (سود راديو): " إن الرئيس الفرنسي يعرف جيدا وضع الأطباء الأجانب.
والدليل أنه تطرق إلى هذا الموضوع خلال ندوة صحافية نظمها في يناير/كانون الثاني 2023.
لكن على الرغم نت مرور ثلاث سنوات، لا يزال المشكل قائما كما هو".
وأضاف: " ملف الأطباء الأجانب يعود دائما إلى الواجهة السياسية عندما نقترب من المواعيد الانتخابية.
لكن في الحقيقة، هذا الملف ليس سياسيا، بل طبي محض، ويتعلق بصحة المواطنين الفرنسيين، ويجب بالتالي أخذه بمحمل الجد".
وتابع: " في كل مرة نطرح هذا المشكل على المسؤولين السياسيين، يتظاهرون وكأنهم يكتشفونه لأول مرة.
وهذا ما قام به رئيس الجمهورية أمس بالذات، علما أنه تطرق إليه منذ ثلاث سنوات على الأقل".
وأشار عبد الحليم بن سعدي إلى وجود" إرادة سياسية لإقصاء الأطباء الأجانب، بالرغم من أنهم حصلوا على معدلات عالية في المسابقات الوطنية الفرنسية، وعلى الرغم من توفر مناصب الشغل أيضا".
حوالي 2000 يورو لطبيب أجنبي و4000 يورو لطبيب فرنسيوحول مصير الأطباء الذين لم ينجحوا في المسابقات الوطنية، أكد عبد الحليم بن سعدي أن غالبيتهم يواصلون العمل في المستشفيات التي يتواجدون فيها، لكن بعقود هشة وغير مستقرة، فضلا عن تقاضيهم رواتب ضعيفة للغاية مقارنة بالخدمات الطبية التي يقدمونها.
وكشف، على سبيل المثال، أن" الطبيب الأجنبي يتقاضى بين 1400 إلى 2000 يورو في الشهر، في حين أن راتب الطبيب الفرنسي يتجاوز 4000 يورو".
وختم قائلا: " إذا أراد ماكرون أن يساعدنا، فهو قادر على ذلك لأنه يملك الصلاحيات لاتخاذ القرار".
اقرأ أيضاأطباء أجانب مهددون بخسارة وظائفهم في فرنساأما حياة ولحاج، وهي طبيبة في مستشفى" تنون" بباريس ومتخصصة في طب الأورام، فقد صرحت لـ" فرانس24" بأن وضعها الإداري الهش يمنعها من التوقيع على عقد عمل طويل الأمد، بالرغم من أنها تعمل يوميا في المستشفى.
وقالت: " لا أفهم لماذا لا تريد المحافظات الفرنسية تسوية أوضاعنا الإدارية بشكل نهائي.
نحن نعمل كل يوم ونقدم خدمات طبية للجميع، لكن بالمقابل نعيش وضعا إداريا هشا ونخشى أن يتم إبعادنا في كل مرة نذهب فيها لتجديد أوراق الإقامة".
وختمت: " في حال استمر الوضع على هذا المنوال، سأغادر فرنسا وأذهب إلى بلجيكا أو سويسرا حيث المعاملة أفضل بكثير".
برونو روتايو ينتقد تصريحات ماكرون غير" الحازمة" إزاء الجزائرتوالت ردود الفعل إزاء التصريحات التي أدلى بها ماكرون، إذ اعتبر برونو روتايو، وزير الداخلية السابق ورئيس حزب" الجمهوريون" ومرشحه للانتخابات الرئاسية 2027، أن" الذريعة الزائفة" التي طرحها ماكرون تهدف إلى" إخفاء المشاكل الحقيقية" مع الجزائر.
وقال روتايو في بيان: " إن إيمانويل ماكرون هاجم أولئك الذين، مثلي، يؤيدون نهج الحزم مع الجزائر، معتبرا ذلك ذريعة زائفة لا تهدف إلا إلى إخفاء المشاكل الحقيقية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك