مع احتفالات أعياد سيناء، تلك الأرض المباركة التي شهدت مسارات الأنبياء ورحلة العائلة المقدسة، حيث كانت رافيا (رفح) أول نقطة لحدود مصر الشرقية دخلها السيد المسيح وأمه في رحلتهم لمصر، تلك الرحلة التي ذكرت في الميامر والمصادر المسيحية القديمة، وهنا فكرت إنه من الطبيعي أن يكتب المسيحيون عن السيد المسيح، ولكن هل هناك كتاب مسلمين خصصوا كتبًا كاملة تحدثت عن المسيح في عصرنا الحديث؟ ، ومن ثم كان المقال الذي بين أيديكم الآن.
وعلى الرغم من أن حركة التأليف في التراث العربي في القرون السابقة قد شهدت التراجم الفردية التي تعتني بتناول الترجمة أو سيرة حياة علم واحد أو شخصية تاريخية واحدة، فإننا لم نجد من بينها أعمال تخصصت بالإفراد عن السيد المسيح عليه السلام.
وهذا ليس معناه عدم الحديث عنه لأننا نجد الحديث عنه ضمن كتب قصص الأنبياء وفي كتب التاريخ العام مثل تاريخ الطبري وكتاب البداية والنهاية لابن كثير.
إلخ التي تتحدث أولًا عن الأنبياء ومن بينهم بطبيعة الحال السيد المسيح.
ومع ذلك لم نجد من يُفرد كتابًا مستقلاً لسيرة المسيح ـ عليه السلام في التراث العربي ـ، وقد تأخر هذا تأخر حتى القرن العشرين الذي برزت فيه عدة أعمال تاريخية وأدبية وفلسفية عن المسيح، يأتي على رأسها خمسة أعمال شهيرة، سوف نذكرها تباعا في هذه المقالة، غير أنها ستركز على نحو تفصيلي على ثلاثة منها، ولقد اقتصرت على المؤلفات الثلاثة بوصفها صورًا مُعبرة عن تنوع اتجاهات الرؤية؛ فهناك الرؤية الفلسفية عبر رواية (قرية ظالمة) لمحمد كامل حسين، والرؤية الأدبية التاريخية (المسيح عيسى بن مريم) لعبد الحميد جودة السحار، والرؤية الدينية (معًا على الطريق محمد والمسيح) لخالد محمد خالد.
عبقرية المسيح وحياته.
الرؤية الفلسفية لـ«كلمة الله»يدخل كتاب (حياة المسيح) للكاتب والأديب الكبير عباس محمود العقاد (1889- 1964م) ضمن الكتب التي تحمل رؤية فلسفية في تناول حياة المسيح ـ عليه السلام ـ وقد صدرت طبعته الأولى سنة 1953م، ولم يكن كتابه الأول عن السيد المسيح بل سبقه مؤلفه (عبقرية المسيح) الذي أحدث ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية المصرية وقت ظهوره ولكن بعد كشوف وادي قمران (البحر الميت) قام المؤلف ببعض التعديلات والإضافة للكتاب وأصدره بعنوان (حياة المسيح)، وقد جاء الكتاب بأسلوب فلسفي تاريخي.
قرية ظالمة ومقتل الضمير الإنسانيأما رواية (قرية ظالمة) فهي لطبيب العظام والأديب الشهير محمد كامل حسين (1901- 1977م)، وقد طُبعت الرواية لأول مرة سنة 1954م، وتُرجمت بعد ذلك إلى إحدى عشرة لغة عالمية، وأخذ الكاتب عليها جائزة الدولة التقديرية في الأدب.
ويُلاحظ في البداية عنوان (قرية ظالمة) الذي ارتضاه المؤلف لروايته؛ إذ أنه عنوان جاذب للانتباه، وفي الوقت نفسه يعبر عن مضمون الرواية، والقرية المقصودة هي (أورشليم-بيت المقدس)؛ وهي ظالمة لأنها قتلت الضمير الإنساني بقرارها قتل السيد المسيح، وبذلك أحالوا أورشليم، تلك القرية الهادئة الجميلة التي احتضنت رسالة السماء إلى جحيم ظالم.
وتنتمي هذه الرواية البديعة، الحاملة لروحي الأدب والفلسفة، إلى نوع روائي يُطلق عليه (رواية اليوم الواحد)؛ حيث إن أحداثها تدور في يوم واحد، وهو يوم إدانه السيد المسيح والحكم عليه، والدور المحوري السيء لبني إسرائيل في هذه المأساة التاريخية الكبرى.
وقد استخدم المؤلف لغة سهلة واضحة على الرغم من الحوار الجدلي الفلسفي الذي طغى على الرواية، وقد خفف المؤلف من هذه الروح الفلسفية الصارمة عن طريق حبكة درامية باستخدام الحكي من خلال الشخصيات المتعددة وسيلة لتوصيل رسالته الأخلاقية والثقافية التي يريدها للقارئ.
قد تبدو رواية (قرية ظالمة) للوهلة الأولى ذات طابع تاريخي حيث يتحدث الكاتب عن حال بني اسرائيل في «يوم الصلب» من خلال بعض الشخصيات، ولكن بعد ذلك يتوارى الجانب التاريخي رويدًا رويدًا لنجد أنفسنا أمام رواية فكرية وفلسفية من الطراز الأول تعرض تفسيرات ومناقشات على لسان أبطالها: التاجر، والحداد الذي يصنع الصليب، والقائد الروماني، والقاضي الذي حكم على المسيح، وتلاميذ السيد المسيح، والجندي الروماني؛ لتقدم لنا تصورًا يعبر عن عقل الكاتب وفكره من ناحية، ويتميز بطابعه الديني والأخلاقي من ناحية أخرى، ويعكس رؤية الكاتب التي يظهرها في أول روايته عند حديثه عن يوم الصلب قائلًا: «كان يومًا ضل فيه الناس ضلالًا بعيدًا، وأوغلوا في الضلال حتى بلغوا غاية الإثم، وطغى عليهم الشر حتى عموا عن الحق.
في هذا اليوم أراد الناس أن يقتلوا ضميرهم وفي هذا الذي أرادوه تتمثل نكبة الإنسانية الكبرى، وفي أحداث ذلك اليوم تبيان لكل من يدفع الناس إلى الإثم، فلم يحدث في العالم شر إلا كان أصله ما يريد الناس من قتل ضميرهم وإطفاء نوره والتماس الهدى من غير سبيله، ولن يصيب الناس شرًا إلا ومرجعه مايعتريهم من رغبة في تجاهل أوامر الضمير».
يُفهم من ذلك أن المؤلف استخدم التاريخ كإطارٍ لروايته قدم من خلالها أفكاره وآراءه إيمانًا منه برسالة الأدب الأخلاقية، ومن نافلة القول أن الكاتب قدم في سبيل تحقيق مراده جرعة كبيرة من التحليل العقلي الفلسفي المفصل للمواقف والآراء والمذاهب، الأمر الذي قد يشعر معه بعض قراء الروايات العادية الأخرى بالإرهاق من كثرة هذه التحليلات التي ربما لا تعطى الفرصة للقارئ للتفكير أو استخلاص النتائج، إذ أن المؤلف يقدمها له جاهزة.
وقد وضح الانتماء الإسلامي لمؤلف (قرية ظالمة) في بعض الإشارات اليسيرة، ومنها اكتفاؤه عند حادثة الصلب بالقول أن الدنيا أظلمت، وكأنه بذلك وقف موقفًا وسطًا بين الروايتين الإسلامية والمسيحية.
لقد كان هم المؤلف في روايته استخدام القرية الظالمة أورشليم بوصفها رمزًا للعالم كله، و استخدام قيافا وبيلاطس وبقية اليهود والرومان -الذي برروا جريمتهم الشنيعة- بوصفهم رموزًا للإنسانية جميعًا.
لقد كانت رواية (قرية ظالمة) صرخة معبرة ضد كل من انحرف عن الصواب أو الضمير وساق لذلك دعاوى واهية كالوطن والقومية وحماية الدين والصالح العام والنظام؛ فما هي إلا شعارات يبرر بها المجرمون غاياتهم وأطماعهم مثلما برر بنو إسرائيل والرومان الحكم بقتل السيد المسيح.
«المسيح عيسى بن مريم».
رواية تاريخية للسحارأما الأديب الكبير عبد الحميد جودة السحار (1913- 1974م) وهو، كما هو معروف، كاتب وروائي مصري بارز من أعلام الأدب العربي الحديث، اشتهر بأسلوبه السلس والمميز في سرد القصص التاريخية والدينية، وله في ذلك الكثير من الأعمال الروائية التاريخية التي لاقت نجاحًا كبيرًا، أفرامن بين هذه الروايات روايته التي بين أيدينا عن السيد المسيح عليه السلام، إنها رواية (المسيح عيسى بن مريم)، والتي تُعتبر من أوائل الأعمال الأدبية الإسلامية الحديثة التي تناولت سيرة السيد المسيح ـ عليه المسيح ـ بأسلوب قصصي روائي شيق ومؤثر.
وتقدم الرواية حياة السيد المسيح المعروفة منذ البداية وحتى النهاية.
من ولادته الإعجازية، ورحلته إلى مصر، وعودته إلى فلسطين، وحياة الطفولة والصبا في الناصرة، ودعوته في قومه وفي أورشليم، وتعاليمه لتلاميذه وعلاقته بهم، ومعجزاته، وما واجهه من معارضة، والحكم بقتله.
وفي جميع ذلك التركيز على جوانب إنسانية ودينية مهمة.
تعتبر هذه الرواية علامة فارقة في الأدب العربي الحديث حيث تناول الكاتب موضوعًا حساسًا ومعقدًا بأسلوب يتميز بالسلاسة والحياد والوضوح والقدرة على جذب القارئ.
وذلك في لغة أشبه ما تكون بالشعر المنثور الذي يشف عن إيمان السحار الشديد بموضوعه.
وقد اتبع الكاتب في كتابة روايته الأسلوب القصصي السهل، والمزج بين الحقائق التاريخية والخيال الأدبي؛ وذلك بهدف تقديم قصة مؤثرة في الكثير من أحداث الرواية خاصة مشاهد التعذيب التي تعرض لها السيد المسيح ـ عليه السلام ـ.
على أية حال يٌمكن القول إن هذه الرواية تعد عملًا أدبيًا بالدرجة الأولى، إلا أنها تتضمن معلومات دينية وتاريخية قيمة حول حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ، فهي ليست مجرد سرد تاريخي، بل عمل يعكس رؤية الكاتب بأسلوب أدبي، وهي تعتبر إجمالًا إضافة قيمة للروايات الإسلامية التي تتناول مواضيع دينية وتاريخية.
وقد حاول عبد الحميد جودة السحار التوفيق في مواضع عديدة بين ما ورد في القرآن الكريم والأناجيل الأربعة على سبيل المثال في أحداث الميلاد ومعجزات المسيح، وكثيرًا ما ذكر آيات من القرآن مثل: " ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين" [آل عمران: 54]، ومن الكتاب المقدس مثل: " تأمر الرؤساء معا على الرب ومسيحه قائلين: لنقطع قيودهما، ولنطرح عنا ربطهما، الساكن في السموات يضحك، الرب يستهزئ بهم" [المزامير 2: 2].
وهذا الأمر يشير إلى أن المؤلف اتصف بالحيادية والموضوعية في تناول الموضوع عن طريق اعتماده على المصادر الإسلامية والمسيحية؛ بهدف تكوين صورة متكاملة وشاملة عن حياة السيد المسيح بعيدًا عن التحيز والتعصب مما أتاح له فهمًا أعمق للعلاقة بين الديانتين الإسلامية والمسيحية، وتسليطه الضوء على المشتركات بين الديانتين و القيم الإنسانية التي تجمع بينهما.
غير أنه عند عرضه لحادثة الصلب اتبع الرؤية الإسلامية القائلة بأن المسيح لم يصلب، وأن من صلب هو يهوذا، وأنه شبه لهم أنه المسيح، وقد أورد الكاتب عدة تفصيلات حول هذا الحدث في ختام روايته البديعة.
الكتابات الدينية لحياة المسيحوممن برع في الكتابات الدينية حول السيد المسيح ـ عليه السلام ـ في العصر الحديث، الكاتب الفلسطيني وطنًا الأزهري تعلمًا الشيخ محمود شلبي (1943-.
)، وذلك بكتابه المعروف (حياة المسيح)، الذي اتسمت لغته بالسهولة والبساطة والوضوح لتصل للقارئ العادي، وعلى الرغم من أن تناول محمود شلبي غلب عليه الاعتماد على آيات القرآن الكريم خاصة الواردة في سورتي (آل عمران) و(مريم) منذ البداية وحتى النهاية- حاول الربط والتوفيق بين آيات الذكر الحكيم وما ورد في الأناجيل خاصة في الكثير من الأحداث التي لم ترد في القرآن ليُكمل الرؤية عن حياة المسيح.
وأورد صاحب الكتاب الكثير من المواقف المشتركة محاولة منه لإيجاد أرضية مشتركة بين أحداث عصري المسيح والرسول محمد.
والملاحظة العامة في كتابه أنه حتى لحظة القبض على السيد المسيح لا يوجد اختلافات جوهرية بين الإسلام والمسيحية ولكن ينشأ الاختلاف بعد القبض على المسيح، ويتحدث شلبي تفصيليًّا عن وجهه النظر الإسلامية في قضية الصلب ويورد الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة لتأكيد وجهة النظر الإسلامية.
معا على الطريق محمد والمسيحويق كتاب" معا على الطريق محمد والمسيح" للمفكر الإسلامي المعروف خالد محمد خالد (1920- 1996م) كأحد أبرز كتابات هذا الاتجاه، وغني عن التعريف أن الأستاذ خالد محمد خالد من أهم الكتاب الإسلاميين الذين ألفوا عدة كتب تتحدث عن السيرة النبوية وأعلام الصحابة، والملاحظة الجوهرية على كتابه المتصل بالسيد المسيح أنه لم يقدم سردًا تاريخيًّا سواء لقصة حياة المسيح ـ عليه السلام ـ أو لسيرة الرسول ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ، ولكن كان غرضه الأساسي هو توضيح موقف الرسولين من الإنسان ومن الحياة، وذلك من خلال الحديث عن النقاط المشتركة بين الرسالتين المسيحية والمحمدية باعتبار أن مصدرهما وهدفهما واحد.
وأكد الأستاذ خالد محمد خالد أن جميع الأنبياء يسيرون في الطريق نفسه وأنهم أخوة وهدفهم واحد معتمدًا على الحديث النبوي الشريف" الأنبياء إخوة لعلَّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد" [متفق عليه]، وكيف كانت رسالتهم لتحقيق الحق والعدل والرحمة والمحبة، مقدمًا العديد من المواقف في سيرة المسيح والنبي محمد تكشف عن أن هدفهما واحد وهو الانسان؛ فالمسيح قال: " جئت لأخلص العالم" [إنجيل يوحنا 12: 47]، وفي القرآن عن النبي" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء: 107] واهتمامهما بالمساكين فيقول المسيح عليه السلام: " روح الرب مسحني لأبشر المساكين.
أرسلني لأشفي منكسري القلوب" [إشعياء 61: 1]، وروي في كتب السيرة النبوية قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما رأى البسطاء يأتون إليه" أهلًا بمن أوصاني بهم ربي".
وفي مثل هذه السياقات يذكر الكاتب الكثير من الشواهد بأسلوب بديع وسلس، ليثبت نظريته أن الدين لم يكن مجرد أوامر ونواهي وإنما كان هدفه ورسالته إيقاظ ضمير الإنسان من أجل سعادة الإنسان وازدهار حياته.
أستاذ مساعد الإرشاد السياحي بأكاديمية الفراعنة للسياحة والفنادق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك