في خطوة تحمل دلالات مهمة على طريق إعادة تنظيم قطاع الثروة المعدنية في مصر، وافق مجلس الوزراء على مشروع قرار بتعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية لقانون الثروة المعدنية، الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 108 لسنة 2020، بما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر وضوحًا في إدارة تراخيص البحث والاستغلال، وتنظيم عمل المحاجر والمناجم والملاحات، إضافة إلى إدخال معامل تحاليل الخامات والصخور تحت مظلة رقابية وتشغيلية واضحة.
تعديلات لائحة الثروة المعدنية الجديدةوتوضح «الدستور» أهمية هذا القرار، الذي يأتي في توقيت تسعى فيه الدولة إلى تعظيم الاستفادة من ثرواتها التعدينية، وتحويلها من موارد خام إلى قيمة اقتصادية مضافة، قادرة على جذب استثمارات جديدة، ودعم الصناعة الوطنية، ورفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي، خاصة مع الاتجاه الحكومي نحو تحديث التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وإغلاق أبواب العشوائية في التعامل مع الخامات التعدينية.
كما وسع التعديل الجديد نطاق تطبيق اللائحة التنفيذية، لتشمل تراخيص البحث والاستغلال لخامات المناجم والمحاجر والملاحات، إلى جانب تراخيص معامل تحاليل الصخور وخامات المناجم والمحاجر والملاحات التي تصدر من السلطة المختصة، وهذا التوسع يمثل نقطة تنظيمية مهمة، لأن تحليل الخامات يمثل مرحلة أساسية في تقييم الجدوى الاقتصادية للمناجم والمحاجر، وتحديد جودة الخام، ونسب التركيز، وإمكانات التشغيل التجاري.
ومن أبرز ما تضمنه التعديل وضع قواعد أكثر انضباطًا بشأن المناطق التي تحتاج موافقات مسبقة قبل إصدار التراخيص، فقد نصت التعديلات على عدم إصدار تراخيص في المناطق الأثرية أو المحميات أو أراضي المدن والقرى أو الأسواق أو المرافق أو دور العبادة أو المقابر أو الأراضي المتاخمة للمطارات والطرق الرئيسية والسريعة وخطوط السكك الحديدية وأنابيب البترول والغاز ومنافع الري والسدود والخزانات، أو الأراضي المخصصة لهذه المرافق، إلا بعد الحصول على موافقة الجهات المعنية.
وتبرز أهمية هذا البند في تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار التعديني وحماية المرافق الحيوية والمناطق ذات الطبيعة الخاصة.
فالدولة هنا تتحرك في مسارين متوازيين: فتح المجال أمام الاستثمار الجاد، وحماية الأمن المجتمعي والبيئي والعمراني.
كما ألزم التعديل الجهات المعنية بالرد على طلبات الموافقات أو التنسيقات خلال مدة لا تتجاوز 30 يومًا، وهو ما يحد من بطء الإجراءات، ويمنح المستثمر رؤية زمنية واضحة عند التقدم للحصول على الترخيص.
كما منح التعديل مالك الأرض بعقد مسجل حق طلب الترخيص بالبحث أو الاستغلال عن الخامات الخاضعة للقانون داخل أرضه، على أن يقدم الطلب إلى هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية أو الجهة المختصة، مصحوبًا بالرسوم والمستندات المطلوبة، مع توافر الشروط القانونية والفنية، وتقديم الموافقات اللازمة وتقرير فني توافق عليه الجهة المختصة.
ويمثل هذا التوجه معالجة عملية لحالات كثيرة ترتبط بوجود خامات داخل أراضٍ مملوكة للأفراد أو الجهات الخاصة، حيث يضع القانون مسارًا واضحًا لاستغلال هذه الخامات بصورة شرعية ومنظمة.
كما نص التعديل على منح الترخيص لمالك الأرض بشخصه مع إعفائه من الإيجار، وهو ما يوفر حافزًا قانونيًا واقتصاديًا للاستثمار المنظم داخل الأراضي المملوكة بعقود مسجلة.
ومن النقاط المهمة في القرار منح هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية حق إنشاء أو المساهمة في شركات متخصصة لممارسة أنشطة البحث والاستغلال والتعدين وخامات المناجم والمحاجر والملاحات داخل مصر أو خارجها، على ألا تقل نسبة مساهمة المال العام في هذه الشركات عن 10%، مع تطبيق جميع الشروط والالتزامات الفنية والمالية المنصوص عليها في القانون.
هذا النص يمنح الهيئة دورًا اقتصاديًا أكثر فاعلية، فلا تقف عند حدود التنظيم والرقابة، وإنما تمتلك مساحة للتحرك كشريك في كيانات متخصصة، بما يدعم قدرة الدولة على تعظيم العائد من الثروات التعدينية، ويفتح المجال أمام شراكات احترافية مع القطاع الخاص، مع الحفاظ على حصة للمال العام في هذه الكيانات.
وتضمن التعديل أيضًا تشكيل لجنة استشارية بقرار من الوزير المختص، برئاسة ممثل عن وزارة البترول والثروة المعدنية، وعضوية ممثلين عن الوزارات والجهات ذات الصلة، على أن تجتمع أربع مرات سنويًا على الأقل، مع إمكانية دعوة ممثلي الجهات صاحبة الولاية وثلاثة من ذوي الخبرة عند الحاجة.
وتكمن أهمية هذه اللجنة في توفير منصة تنسيقية دائمة بين الجهات المعنية، خاصة أن النشاط التعديني يتقاطع مع ملفات البيئة، والآثار، والتنمية المحلية، والري، والنقل، والبترول، والمحليات، ومن ثم فإن وجود لجنة استشارية منتظمة يساعد في حل التشابكات الإدارية، وتقديم رأي فني ومؤسسي في الملفات ذات الصلة، بما يدعم سرعة اتخاذ القرار.
كما أدخل التعديل آلية أكثر تطورًا للحصول على ترخيص البحث، حيث أجاز تقديم الطلب إلى هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية يدويًا أو من خلال المنصة الإلكترونية «بوابة مصر للتعدين»، بالمساحة التي يحددها طالب الترخيص، على النموذج المعد لذلك، مصحوبًا بالرسوم والمستندات المطلوبة.
ويعكس هذا النص اتجاه الدولة نحو رقمنة إجراءات التعدين، بما يسهل على المستثمرين التقدم للحصول على التراخيص، ويقلل التعاملات الورقية، ويرفع مستوى الشفافية في تقديم الطلبات ومتابعتها، كما حدد التعديل آلية إصدار تراخيص البحث للمناجم التي لا تزيد مساحتها على كيلو متر مربع، بحيث تصدر بقرار من مجلس إدارة الهيئة، بحد أقصى منجم واحد لكل مرخص له من أشخاص القانون الخاص، بينما تصدر باقي تراخيص البحث بقرار من الوزير المختص بعد موافقة مجلس إدارة الهيئة.
وحدد التعديل مدة ترخيص البحث بسنتين، مع جواز تجديده لمدتين مماثلتين، وإمكانية تجديده لمدة ثالثة عند وجود مبررات فنية تقبلها الهيئة، بشرط تقديم طلب التجديد قبل انتهاء الترخيص.
كما ألزم المرخص له بسداد نفقات سنوية لأعمال البحث عن كل كيلو متر مربع، بما يضمن جدية المستثمر، ويمنع حجز المساحات دون تنفيذ أعمال حقيقية على الأرض.
ومن الإضافات الجوهرية كذلك استحداث فصل جديد داخل اللائحة التنفيذية بعنوان «ترخيص معامل تحاليل الصخور وخامات المناجم والمحاجر والملاحات»، ويتضمن اشتراطات الترخيص لهذه المعامل، وضوابط التشغيل، وآليات الرقابة والتفتيش.
وتعد هذه الإضافة من أهم محاور القرار، لأن معامل التحاليل تمثل العين الفنية التي تقرأ قيمة الخام وتحدد مواصفاته.
فالتحليل الدقيق للصخور وخامات المناجم والمحاجر والملاحات يساعد على بناء قرارات استثمارية صحيحة، ويمنع تضارب النتائج، ويدعم الشفافية بين المستثمر والدولة، كما يرفع جودة البيانات الفنية المستخدمة في تقييم الموارد التعدينية.
وبموجب هذا الفصل، تخضع المنشآت التي تقوم بتجهيز العينات وإجراء الاختبارات والقياسات والتحاليل الكيميائية والفيزيائية والمعدنية والجيولوجية والبحثية لمنظومة ترخيص ورقابة واضحة، بما يعزز الثقة في نتائج التحاليل، ويضمن جودة المخرجات الفنية المرتبطة بالخامات.
في المحصلة، تعكس تعديلات اللائحة التنفيذية لقانون الثروة المعدنية توجهًا حكوميًا نحو بناء قطاع تعديني أكثر تنظيمًا وجاذبية للاستثمار، فالقرار يجمع بين تبسيط الإجراءات، وحماية المرافق والمناطق الحيوية، وتفعيل الرقمنة، وتنظيم معامل التحاليل، ومنح هيئة الثروة المعدنية دورًا أوسع في تأسيس الشركات والمساهمة فيها.
ويمثل هذا التحرك خطوة مهمة في مسار تحويل الثروة المعدنية إلى قطاع اقتصادي منتج، قادر على دعم الصناعة، وجذب المستثمرين، وخلق فرص عمل، وزيادة موارد الدولة، مع الحفاظ على حقوق المجتمع والبيئة والمرافق العامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك