ومع تصاعد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي عالميًا، واشتداد تأثير التغير المناخي، واضطراب سلاسل الإمداد، برزت مبادرات شبابية داخل الجامعات المصرية كأحد المسارات غير التقليدية لبناء قدرات جديدة في القطاع الزراعي.
ومن بين هذه المبادرات، يبرز نموذج محاكاة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO Model)، الذي تطور تدريجيًا من نشاط طلابي محدود داخل جامعة القاهرة إلى منظومة تدريبية ممتدة داخل مصر وخارجها، تربط بين التعليم الأكاديمي والتطبيق العملي في مجالات الزراعة وريادة الأعمال الزراعية والزراعة الذكية.
بداية نموذج الفاو في مصر (FAO Model Egypt)انطلقت القصة رسميًا في 17 مايو 2017 داخل كلية الزراعة – جامعة القاهرة، حيث جرى إطلاق نموذج محاكاة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بموافقة رسمية وبحضور قيادات أكاديمية وممثلين عن المنظمة الدولية.
بدأت المبادرة بمشاركة نحو 20 طالبًا متطوعًا فقط، إلا أنها لم تُصمم كنشاط طلابي تقليدي، بل ككيان تدريبي يحاكي عمل منظمة الفاو الفعلي في مجالات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية.
من محاكاة شكلية إلى نموذج تدريبي مؤسسيأوضح الدكتور عمر مسعود، الأستاذ بكلية الزراعة جامعة القاهرة والمقرر الأكاديمي لبرنامج الفاو للشباب، أن النموذج جاء مختلفًا عن نماذج المحاكاة الطلابية التقليدية التي تعتمد على جلسات مؤقتة، حيث تم تصميم FAO Model ليحاكي وظائف المنظمة الدولية ومحاور عملها على أرض الواقع.
ويركز النموذج على عدة محاور رئيسية تشمل التدريب الزراعي للفلاحين والمهندسين، ودعم المشروعات الزراعية وريادة الأعمال، ونشر الوعي بقضايا الأمن الغذائي، إلى جانب ربط التعليم الجامعي بسوق العمل الزراعي.
هذا التحول جعل النموذج أقرب إلى منصة تدريبية مستمرة تعمل على مدار العام داخل الجامعات، وليس مجرد فعالية مؤقتة.
أشار عمر مسعود إلى أن منظمة الفاو لا تدخل عادة في شراكات مع نماذج المحاكاة الطلابية، على خلاف برامج الأمم المتحدة الأخرى، وذلك لأن طبيعة عملها تعتمد على التطبيق العملي وليس النظري.
وأوضح أن مهام المنظمة تتداخل مع الحياة اليومية للمزارعين والقطاع الخاص الزراعي، وتشمل قضايا الموارد المائية، والتغيرات المناخية، وتكلفة النقل والشحن، وتأثيرات التضخم على سلاسل التوريد العالمية، فضلًا عن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها القضاء على الفقر والجوع.
وأضاف أن هذا التوجه كان نقطة الانطلاق لتأسيس نموذج الفاو للشباب، بحيث يُبنى على نفس محاور عمل المنظمة، ويقدم تطبيقًا عمليًا للأنشطة الزراعية، من الرقمنة والزراعة الحديثة إلى الزراعة الحيوية ونظم الري المتطورة، مع الدمج بين التقنيات التقليدية والحديثة لخلق وعي إنتاجي لدى المزارعين.
أشهر شهادة خبرة معتمدة عربيًاتحول" الفاو موديل" للشباب إلى واحدة من أبرز شهادات التطوع المرتبطة ببرامج الأمم المتحدة في منطقة الشرق الأدنى وأفريقيا، كما أصبح من أقوى الشهادات التي يضيفها خريجو كليات الزراعة إلى سيرهم الذاتية.
ووفقًا لراوية الدابي، خبيرة التواصل من أجل التنمية ومسؤولة التواصل بمنظمة الفاو في مصر، شهد عام 2024 قفزة ملحوظة في أعداد المشاركين، حيث بلغ عدد المتطوعين 2054 متطوعًا، فيما وصل عدد المستفيدين من الطلاب غير المتطوعين إلى نحو 35 ألف طالب.
كما توسع النموذج جغرافيًا من 23 جامعة في 2023 إلى 32 جامعة في 2024، قبل أن يصل بحلول 2025 إلى 42 جامعة مصرية، مع تجاوز عدد المتطوعين 3000 متطوع، وأكثر من 50 ألف طالب مستفيد، شاركوا في 427 فعالية متنوعة، شملت ورش عمل ومحاضرات وبرامج تدريبية وأنشطة توعوية.
وأضافت الدابي أن عام 2025 شهد انطلاقة إقليمية مهمة للنموذج، حيث تم تأسيسه في 8 دول عربية عبر 11 جامعة، شملت ليبيا، السودان، العراق، الجزائر، المغرب، فلسطين، الأردن، واليمن.
التوسع داخل الجامعات المصريةبدأ النموذج التوسع خارج جامعة القاهرة في عام 2021 عبر جامعة عين شمس، قبل أن يمتد تدريجيًا ليشمل أكثر من 32 جامعة مصرية بحلول عام 2024.
وشهدت هذه المرحلة إعادة هيكلة البرامج لتضم:Developers (الزراعة الرقمية)Pioneers (ريادة الأعمال الزراعية)Scholars (البحث العلمي التطبيقي)كما تم استحداث برامج متخصصة في الاستدامة وتأهيل الطلاب للحصول على منح دراسية دولية.
برنامج Super Student وإعادة تأسيس القيادةأُطلق برنامج Super Student كأحد أهم مراحل إعادة بناء النموذج، وهو برنامج تدريبي استمر لمدة ثلاثة أشهر، استهدف إعداد قيادات طلابية قادرة على إدارة النموذج.
وشمل البرنامج تدريبات مكثفة في مجالات القيادة، والموارد البشرية، والتسويق، وجمع التمويل، والبرمجة، والمهارات الشخصية، والعلاقات العامة.
واختُتم البرنامج باختيار الطالبة علا عبد الرؤوف لقيادة مرحلة إعادة إطلاق نموذج الفاو داخل الجامعة.
الإحصاءات والتوسع (2023 – 2025)شهدت السنوات الأخيرة نموًا متسارعًا في مؤشرات النموذج:في 2023، بلغ عدد المتدربين نحو 1000 طالب، مع تنفيذ 195 فعالية داخل الجامعات، إلى جانب تحكيم مئات المشروعات الطلابية.
في 2024، ارتفع عدد المتطوعين إلى أكثر من 2054، ووصل عدد المستفيدين إلى نحو 35 ألف طالب، مع تنفيذ أكثر من 320 فعالية.
في 2025، تجاوز عدد المتطوعين 3000، وبلغ عدد المستفيدين أكثر من 50 ألف طالب، مع تنفيذ 427 فعالية في 42 جامعة مصرية.
الإطار التنظيمي والمبادئ الحاكمةيعتمد نموذج الفاو على أربعة مبادئ رئيسية هي: الشفافية، المساواة، تكافؤ الفرص، والكفاءة.
كما يلتزم بحظر النقاشات السياسية والدينية والرياضية داخل أنشطته، للحفاظ على الطابع العلمي والأكاديمي.
ويرتكز التنظيم على مفاهيم الاستدامة، واللامركزية، والاستقلالية، بما يتيح لكل فرع جامعي حرية التنفيذ في إطار الأهداف العامة للنموذج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك